تهذيب مدارج السالكين ـ ابن قيم الجوزية ـ
تحقيق عبد المنعم صالح العزى
مقدمة ابن القيم
بسم الله الرحمن الرحيم
( وبه نستعين . ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم )
الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له رب العالمين ، وإله المرسلين ، وقيوم السماوات والأرضين ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بالكتاب المبين ، الفارق بين الهدى والضلال ، والغي والرشاد ، الشك واليقين ، أنزله لنقرأه تدبرا ، ونتأمله تبصرا ، ونسعد به تذكرا ، ونحمله على أحسن وجوهه ومعانيه ، ونصدق به ونجتهد على إقامة أوامره ونواهيه ، ونجتني ثمار علومه النافعة الموصلة إلى الله سبحانه ، من أشجاره ، ورياحين الحكم من بين رياضه وأزهاره ، فهو كتابه الدال عليه لمن أراد معرفته ، وطرقه الموصلة لسالكها إليه ، ونوره المبين الذي أشرقت له الظلمات ، ورحمته المهداة التي بها صلاح جميع المخلوقات والسبب الواصل بينه وبين عباده إلذا انقطعت الأسباب ، وبابه الأعظم الذي منه الدخول ، فلا يغلق إذا غلقت الأبواب ، وهو الصراط المستقيم الذي لا تميل به الآراء ، والذكر الحكيم الذي ال تزيغ به الأهواء ، والنزل الكريم الذي لا يشبع منه العلماء ، لا تفنى عجائبه ، ولا تقلع سحائبه ، ولا تنقضي آياته ، ولا تختلف دلالاته ، كلما ازدادت البصائر فيه تأملا وتفكيرا ، زادها هداية وتبصيرا ، وكلما بجست معينه فجر لها ينابيع الحكمة تفجيرا ، فهو نور البصائر من عماها ، وشفاء الصدور من أدوائها وجواها ، نوحياة القلوب ، ولذة النفوس ، وباض القلوب ، وحادي الأرواح ، إلى بلاد الأفراح ، والمنادي بالمساء والصباح : يا أهل الفلاح ، حي على الفلاح ، نادي منادي الإيمان على رأس الصراط المستقيم ( ياقومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ) الأحقاف 31.
ولقد كان كمال الإنسان بالعلم النافع ، والعمل الصالح ، وهما الهدى ودين الحق ، وبتكميله لغيره في هذين الأمرين ، كما قال تعالى : ( والعصر ، إن الإنسان لفي خسر ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر )العصر 1_3 ، أقسم سبحانه أن كل أحد خاسر إلا من كمل قوته العلمية بالإيمان ، نوقوته العملية بالعمل الصالح ، كمل غيره بالتوصية بالحق والصبر عليه ، فالحق هو الإيمان والعمل ، ولا يتمان إلا بالصبر عليهما ، نوالتواصي بهما ، كان حقيقا بالإنسان أن ينفق ساعات عمره ـ بل أنفاسه ـ فيما ينال به المطالب العالية ، ويخلص به من الخسران المبين ، وليس ذلك إلا بالإقبال على القرآن وتفهمه ، وتدبره واستخراج كنوزه وإثارة دفائنه ، وصرف العناية إليه والعكوف بالهمة عليه ، فإنه الكفيل بمصالح العباد ، في المعاش والمعاد ، والموصل لهم إلى سبيل الرشاد ،
ونحن بعون الله ـ ننبه على هذا بالكلام على فاتحة الكتاب وأم القرآن ، وعلى بعض ما تضمنته هذه السورة من هذه المطال ، وما تضمنته من الرد على جميع طوائف أل البدع والضلال ، وما تضمنته من منازل السائرين ، ومقامات العارفين ، والفرق بين وسائلها وغاياتها ، وبينان أنه لا يقوم غير هذه السورة مقامها ، ولا يسد مسدها . ولذلك لم ينزل الله في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها .
والله المستعان ، وعليه التكلان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ..
فاتحة المطالب العالية
( بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، إياك نعبد وإياك نستعين ، اهدنا الصراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت معليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين )
اعلم أن هذه السورة اشتملت على أمهات المطالب العالية أتم اشتمال ، وتضمنتها أكمل تضمن .
فاشتملت على التعريف بالمعبود ـ تبارك وتعالى ـ بثلاثة أسماء ، مرجع الأسماء الحسنى والصفات العليا إليها ، ومدارها عليها .. وهي ( الله ، الرب ، الرحمن ) وبنيت السورة على الآلهية ، والربوبية ، والرحمة ، فـ ( إياك نعبد ) مبنى على الإلهية ، و( إياك نستعين ) على الربوبية ، وطلب الهداية عل الصراط المستقيم بصفة الرحمة ، والحمد يتضمن الأمور الثلاثة فهو المحمود في الهيته ، وربوبيته ، ورحمته ..
وتضمنت إثبات المعاد ، وجزاء العباد بأعمالهم ، حسنها وسيئها ، وتفرد الرب تعالى بالحكم إذ ذاك بين الخلائق ، وكون حكمه بالعدل ، كل هذا تحت قوله ( مالك يوم الدين ) ..
وتضمنت إثبات النبوات من جهاد عديدة .
أحدها : كونه رب العالمين ، فلا يليق به أن يترك عباده سدى هملا لا يعرفهم ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم وما يضرهم فيهما ، فهذا هضم للربوبية ، ونسبة الرب تعالى إلا ملا يليق به ، وما قدره حق قدره من نسبه إليه .
الثاني : أخذها من اسم ( الله ) وهو المألوه المعبود ، ولا سبيل للعباد إلى معرفة عبادته إلا من طريق رسله .
الموضع الثالث : من اسمه ( الرحمن ) فإن رحمته تمنع إهمال عباده ، وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية كمالهم ، فمن أعطى اسم ( الرحمن ) حقه عرف أنه متضمن لإرسال الرسل ، وإنزال الكتب ، أعظم من تضمنه إنزال الغيث وإنبات الكلا، وإخراج الحب ، فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح ، لكن المحجوبون إنما أدركوا من هذا الاسم حظ البهائم والدواب ، وأدرك أولو الألباب أمرا وراء ذلك ..
الموضع الرابع : من ذكر ( يوم الدين ) فإنه اليوم الذي يدين الله العباد فيه بأعمالهم ، فيثيبهم على الخيرات ويعاقبهم على المعاصي والسيئات ، وما كان الله ليعذب أحدا قبل إقامة الحجة عليه ، الحجة إنما قامت برسله وكتبه ، وبهم استحق الثواب والعقاب ، وبهم قام سوق يوم الدين ، وسيق الأبرار إلى النعيم ، والفجار إلى الجحيم .
الموضع الخامس : من قوله (إياك نعبد ) فإن ما يعبد به الرب تعالى لا يكون إلا على ما يحبه ويرضاه وعبادته ـ وهي شكره وحبه وخشيته ـ فطري ومعقول للعقول السليمة لكن طريق التعبد وما يعبد به لا سبيل إلى معرفته إلا برسله وبيانهم . وفي هذا بيان أن إرسال الرسل أمر مستقر في العقول ، يستحيل تعطيل العالم عنه ، كما يستحيل تعطيله عن الصانع ، فمن أنكر الرسول فقد أنكر المرسل ، ولم يؤمن به ، ولهذا جعل الله سبحانه الكفر برسله كفرا به .
الموضع السادس : من قوله ( اهدنا الصراط المستقيم ) فا الهداية : هي البيان والدلالة ، ثم التوفيق والإلهام ، وهو بع البيان والدلالة ، ولا سبيل إلى البيان والدلالة إلا من جهة الرسل ، فإذا حصل البيان والدلالة والتعريف ترتب عليه هذاية التوفيق ، وجعل الإيمان في القلب ، وتحبيبه إليه ، وتزيينه في القلب ، وجعله مؤثرا له ، راضيا به ، راغبا فيه .
وهما هدايتان مستقلتان ، لايحصل الفلاح إلا بهما ، وهما متضمنتان تعريف مالم نعلمه من الحق تفصيلا وإجمالا، وإلهامنا له ، وجعلنا مريدين لاتباعه ، ظاهرا وباطنا ، ثم خلق القدرة على القيام بموجب الهدى بالقول والعمل والعزم ، ثم إدامة ذلك لنا وتثبيتنا عليه إلى الوفاة ..
ومن هنا يعلم اضطرارا العبد إلى سؤال هذه الدعوة فوق كل ضرورة ، وبطلان قول من يقول : إن كنا مهتدين ، فكيف نسأل الهداية ؟ فإن المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم ، وملا نريد فعله ، تهاونا وكسلا مثل ما نريده ، أو أكثر منه أو دونه ، ومالا نقدر عليه مما تريده كذلك ، وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمر يفوق الحصر ، ونحن محتاجون إلى الهداية التامة ، فمن كملت له هذه الأمور كان سؤال الهداية له سؤال التثبيت والدوام .
وللهداية مرتبة أخرى ، وهي آخر مراتبها ـ وهي الهداي يوم القيامة إلى طريق الجنة ، وهو الصراط الموصول إليها ، فمن هدى في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم ، الذي أرسل به رسله ، وأنزل به كتبه ، هدي هناك إلى الصراط المستقيم ، الموصل إلى جنته ودار ثوابه ، وعلى قدر ثبوت قدم العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار ، يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم ، وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذاك الصراط ، فمنهم من يمر كالبرق ، ومنهم من يمر كالطرف ، ومنهم من يمر كالريح ، ومنهم من يمر كشد الركاب ، ومنهم من يسعى سعيا ، ومنهم من يمشي مشيا ، ومنهم من يحبوا حبوا ، ومنهم المخدوش المسلم ، ومنهم المكردس في النار ، فلينظر العبد سيره على ذلك الصراط من سيره على هذا ، حذو القذة بالقذة ، جاء وفاقا ( هل تجزون إلا ما كنتم تعملون ) النمل آية 90
ولينظر الشبهات والهوات التي تعوقه عن سيره على هذا الصراط المستقيم ، فإنها الكلاليب التي يجنبتي ذاك الصراط ، تخطفه وتعوقه عن المرور عليه ، فإن كثرت هنا وقويت فكذلك هي هناك ( وماربك بظلام للعبيد ) ..
فسؤال الهداية متضمن لحصول كل خير ، والسلامة من كل شر .
الموضع السابع : من معرفة نفس المسؤول ، وهو الصلاط المستقيم ، ولا تكون الطريق صراطا حتى تتضمن خمسة أمور : الاستقامة ، والإيصال إلى المقصود ، والقرب ، وسعته للمارين عليه ، وتعينه طريقا للمقصود ، ولا يخفى تضمن الصراط المستقيم لهذه الأمور الخمسة .
فوصفه بالاستقامة يتصمن قربه ، لأن الخط المستقيم هو أقب خط فاصل بين نقطتين ، وكلما تعوج طال وبعد ، واستقامته تتصمن إيصاله إلى المقصود ونصبه لجميع من يمر عليه يستلزم سعته . وإضافته إلى المنعم عليهم ، ووصفه بمخالفة صراط أهل الغضب والضلال ، يستلزم تعينه طريقا .
والصراد تارة يضاف إلى الله ، إذ هو الذي شرعه ونصبه ، كقوله تعلى ( وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ، صراط الله .. ) الشورى : 52،53، وتارة يضاف إلى العباد ، كما في الفاتحة ، لكونهم أهل سلوكه ، وهو المنسوب لهم ، وهم المارون عليه .
الموضع الثامن : من ذكر المنعم عليهم ، وتمييزهم عن طائفتي الغضب والضلال ،
فانقسم الناس بحسب معرفة الحق والعمل به إلى هذه الأقسام الثلاثة ، لأن العبد إما أن يكون عالما بالحق ، أو جاهلا به ، والعالم بالحق إما أن يكون عاملا بموجبه أو مخالفا له ، فهذه أقسام المكلفين ، لا يخرجون عنها البتة ، فالعالم باحق العامل به : هو المنعم عليه ، وهو الذي زكى نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح ، وهو المفلح ( قد أفلح من زكاها ) الشمس 9 ، والعلام به المتبع هواه ، هو المغضوب عليه ، والجاهل بالحق : هو الضال ، والمعضوب عليه ضال عن هداية العمل ، والضال مغضوب عليه لضلاله عن العلم الموجب للعمل ، فكل منهما ضال مغضوب عليه ، ولكن تارك العمل بالحق بعد معرفته به أولى بوصف الغضب وأحق به ، ومن هنا كان اليهود أحق به ، وهو متغلظ في حقهم كقوله تعالى ( بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على غضب ) البقرة 90 ، وقال تعالى : ( قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ، من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازيز وعبد الطاغوت أولئك شرك مكانا وأضل عن سواء السبيل ) المائدة 60 ، والجاهل بالحق : أحق باسم الضلال . ومن هنا وصفت النصارى به في قوله تعالى ( قل يا أهل الكتاب لاتغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ، ) المائدة 77. فالأولى في سياق الخطاب مع اليهود . والثانية في سياقه مع النصارى ، وفي الترمذي وصحيح ابن حبان من حديث عدي بن حاتم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( اليهود مغضوب عيهم ، والنصارى ضالون ) .
ففي ذكر المنعم عليهم ـ وهم من عرف الحق واتبعه ، والمغضوب عليهم ـ وهم من عرفه واتبع هواه ـ ، والضالين وهم من جهله ، : ما يستلزم ثبوت الرسالة والنبوة ، لأن انقسام الناس إلى ذلك هو الواقع المشهود . وهذه القسمة إنما أوجبها ثبوت الرسالة ..
وأضاف النعمة إليه ، وحذف فاعل الغضب لوجوه .
منها : أن النعمة هي الخير والفضل . والغضب من باب الانتقام والعدل ، والرحمة تغلب الغضب ، فأضاف إلى نفسه أكمل الأمرين وأسبقهما وأقواهما . وهذه طريقة القآن في إسناد الخيرات والنعم إليه ، وحذف الفاعل في مقابلتهما . كقول مؤمني الجن : ( وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ) الجن 10، ومنه قول الخضر في شأن الجدار واليتيمين : ( فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما ) الكهف 82 ، وقال في خرق السفينة : ( فأردت أن أعيبها ) الكهف 79 ، ثم قال بعد ذلك : ( ما فعلته عن أمري ) الكهف : 82 ..
الوجه الثاني : أن الله سبحانه هو المنفرد بالنعم ( وما بكم من نعمة فمن الله ) النحل 52 : فأضيف إليه ما هو منفرد به . وإن أضيف إلى غيره فلكونه طريقا ومجرى للنعمة . وأما الغضب على أعدائه : فلا يختص به تعالى ، بل ملائكته وأنبياؤه وأولياؤه يغضبون لغضبه ، فكان في لفظة ( المغضوب عليهم ) بموافقة أولياؤه له : من الدلالة على تفرده بالإنعام ، وأن النعمة المطلقة منه وحده ، هو المنفرد بها ماليس في لفظة المنعم عليهم ..
الوجه الثالث : أن في حذف فاعل الغضب من الإشعار بإهانة المغضوب عليه ، وتحقيره وتصغير شأنه ماليس في ذكر فاعل النعمة ، من أكرام المنعم عليه والإشادة بذكره ، ورفع قدره ، ماليس في حذفه ، فإذا رأيت من قد أكرمه ملك وشرفه ، ورفع قدره فقلت : هذا الذي أكرمه السلطان وخلع عليه وأعطاه ما تمناه . كان أبلغ في الثناء والتعظيم من قولك : هذا الذي أكرم وخلع عليه وشرف وأعطي .
وتأمل سرا بديعا في ذكر السبب والجزاء للطوائف الثلاث بأوجز لفظ وأصره . فإن الإنعام عليهم يتضمن إنعامه بالهداية . التي هي العلم النافع والعمل الصالح . وهي الهدى ودين الحق . ويتضمن كمال الإنعام بحسن الثواب والجزاء . فهذا تمام النعمة . ولفظ ( أنعمت عليهم ) يتضمن الأمرين :
وذكر غضبه على المغضوب عليهم يتضمن أيضا أمرين : الجزاء بالغضب الذي موجبه غاية العذاب والهوان ، والسبب الذي استحقوا به غضبه سبحانه . فإنه أرحم وأرأف من أن يغضب بلا جناية منهم ولا ضلال . فكأن الغضب عيهم مستلزم لضلالهم . وذكر الضالين مستلزم لغضبه عيهم وعقابه لهم . فإن من ضل استحق العقوبة التي هي موجب ضلاله ، وغضب الله عليه.
فاستلزم وصف كل واحد من الطوائف الثلاث للسبب والجزاء أبين استلزام ، واقتضاه أكمل اقتضاء ، في غاية الإيجاز والبيان والفصاحة ، مع ذكر الفاعل في أهل السعادة ، وحذفه في أهل الغضب وإسناد الفعل إلى السبب في أخل الضلال .
وتأمل المقابلة بين الهداية والنعمة ، والغضب والضلال ، فذكر ( المغضوب عليهم ) و( الضالين ) في مقابلة المهتدين المنعم عليهم . وهذا كثير في القرآن ، يقرن بين الضلال الشقاء ، وبين الهدى والفالح . فالثاني كقوله : ( أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ) البقرة 5 ، وقوله ( لهم الأمن وهم مهتدون ) الأنعام 82 ، ولأول كقوله تعالى ( إن المجرمين في ضلال وسعر ) القمر 47 ، وقوله ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم ) البقرة 7، وقد جمع سبحانه بين الأمور الأربعة في قوله : ( فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ) طه 123 ، فهذاالهدى والسعادة ، ثم قال : ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى ) طه 126، فذكر الضلال والشقاء .
فالهدى والسعادة متلازمان . والضلا والشقاء متلازمان .
الهداية تورث الاستعلاء
وذكر ( الصراط المستقيم ) مفردا معرفا تعريفين : تعريفا باللام ، وتعريفا بالإضافة ، وذلك يفيد تعيينه واختصاصه ، وأنه صراط واحد . وأما طرق أهل الغضب والضلال فإنه يجمعها ويفردها ، كقوله L وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ) الأنعام 153 ، فوحد لفظ ( الصراط ) و ( سبيله ) وجمع السبل المخالفة له . وقال ابن مسعود : ( خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا وقال : هذه سبيل الله ، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن يساره ، وقال : هذه سبل ، على كل سبيل شيطان يدعو إليه ، ثم قرآ قوله تعلى : ( وإن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) وهذا لأن الطرق الموصل إلى الله واحد . وهو مابعث به رسله وأنزل به كتبه ، لا يصل إله أحد إلا من هذا الطريق . ولو أتى الناس من طل طريق واستفتحوا من كل باب ، فالطرق عليهم مسدودة ، ولأبواب عليهم مغلقة ، إلا من هذا الطريق الواحد . فإنه متصل بالله ، موصل إلى الله ، قال الله تعالى (هذا صراط علي مستقيم ) الحجر 41 ، قال الحسن : معناه صراط إلى مستقيم . وهذا يحتمل أمرين : أن يكو أراد به أنه من باب إقامة الأدوات بعضها مقام بعض فقامت أداة (على ) مقام ( إلى ) والثاني : أنه أراد التفسير على المعنى . وهو الأشبه بطريق السلف . أي صراط موصلى إلي ، وقال مجاهد : الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه ، لا يعرج على شيء ، وهذا مثل قول الحسن وأبين منه , وهو من أصح ما قيل في الآية وقيل (على ) فيه للوجوب ، أي علي بيانه وتعريفه والدلالة عليه ، والقولان نظير القولين في آية النحل . هي ( وعلى الله قصد السبيل ) النحل 9 ، والصحيحفيها كالصحيح في آية الحجر : أن السبيل القاصد ـ وهو المستقيم المعتدل ـ يرجع إلى الله يوصل إليه ، فال طفيل الغنوي :
مضوا سلفا قصد السبيل عليهم وصرف المنال بالرجال تشقلب .. أي ممرنا عليهم ، وإليهم وصولنا . وقال الآخر :
فهن المنايا أي واد سلكته عليها طريقي ، أو علي طريقها ..
فإن قيل : لو أريد هذا المعنى لكان الأليق به أداة ( إلى ) التي هي للانتهاء ، لا أداة (علي ) التي هي للوجوب ، ألا ترى لما أراد الوصول قال ( إن إلينا إيابهم ، ثم إن علينا حسابهم ) الغاشية 26 ، قال ( إلينا مرجعهم ) يونس 70 ، وقال ( ثم إلى ربهم مرجعهم ) الأنعام 108 ، وقال لما أراد الوجوب ( ثم علينا حسابهم ) الغاشية 26 ، وقال ( إن علينا جمعه وقرآنه ) القيامة 17 ، وقال ( ما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم مافرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ) الأنعام 38 ونظائر ذلك .
قيل : في أداة ( علي ) سر لطيف . وهو الإشعار بكن السالك على هذا الصراط على هدى . وهو حق . كما قال في حق المؤمنين ( أولئك على هدى من ربهم ) البقرة 5 ، وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم ، ( فتوكل على الله إنك على الحق المبين ) النمل 79 ، والله عز وجل هو الحق ، وصراطه حق ، ودينه حق ، فمن استقام على صراطه فهو على الحق والهدى . فكان في إداة ( على ) على هذا المعنى ماليس في أداة ( إلى ) فتأمله ، فإنه سر بديع .
فإن قلت مالفائدة في ذكر ( على ) في ذلك أيضا . وكيف يكون المؤمن مستعليا على الحق ، وعلى الهدى ؟
قلت : لما فيه من استعلائه وعله بالحق والهدى ، مع ثباته عليه ، واستقامته إليه ، فكان في الإتيان بأداة ( على ) مايدل على عله وثبوته واستقامته . وهذا بخلاف الضلال والريب . فإنه يؤتي فيه بأداة ( في ) الدالة على انغماس صاحبه ، وانقماعه وتسسه فيه ، كقوله تعالى ( فهم في ريبهم يترددون ) التوبة 45 ، وقوله : ( والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات ) الأنعام 39 ، وقوله ( فذرهم في غمرتهم حتى حين ) المؤمنون 54 ، وقوله ك ( وإنهم لفي شك منه مريب ) فصلت 45 ..
وتأمل قوله تعالى : ( وإنا أو إياكم لعلى هدى ، أو في ضلال مبين ) سبأ 24، فإن طريق الحق تأخذ علوا صاعدة بصاحبها إلى العلي الكبير ، وطريق الضلال تأخذ سللا ، هاوية بسالكها في أسفل سافلين .
إن ربي على صراط مستقيم
والصراط المستقيم: هو صراط الله ، هو يخبر أن الصراط عيه سبحانه ، كما ذكرنا ، ويخكبر أنه سبحانه على الصراط المستقيم ، وهذا في موضعين من القرآن : في هود ، والنحل ، قال في هود ( ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم )هود 56، وقال في النحل: ( وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على بصراط مستقيم ) 76 ، فهذا مثل ضربه الله للأصنام التي ال تسمع ، ولا تنطق ولاتعقل ، وهي كل على عابدها ، يحتاج الصنم إلى أن يحمله عابده ، ويضعه ويقيمه ، ويخدمه ، فكيف يسوونه في العبادة بالله الذي يأمر بالعدل والتوحيد ؟ وهو قادر متكلم ، غني ، وهو على بصراط مستقيم في قوله وفعله ، فقوله صدق ورشد ونصح وهدي ، وفعله حكمة وعدل ورحمة ومصلحة . هذا أصحالأقوال في الآية . وهوالذي لم يذكر كثير من المفسرين غيره .
ودلالته لنا على الصراط هي من موجب كونه سبحانه على الصراط المستقيم . فإن دلالته بفعله وقوله ، وهو على الصراط المستقيم في أفعاله وأقواله ، فلا يناقض قول من قال : إنه سبحانه على الصراط المستقيم .
قال : وقيل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالعدل . وهو على صراط مستقيم ..
قلت : هذا حق لا يناقض القول الأول . فالله على الصراط المستقيم ، ورسوله عليه . فإنه لا يأمر ولا يفعل إلا مقتضاه وموجبه ، وعلى هذا يكو المثل مضروبا لإمام الكفار وهاديهم ، وهو الصنم الذي هو أبكم ، لا يقدر على هدى ولا خير . ولإمام الأبرار ، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم .
وعلى القول الأول : يكون مضروبا لمعبود الكفار ومعبود الأبرار ، والقولان متلازمان ، فبعضهم ذكر هذا . وبعضهم ذكر هذا . وكلاهما مراد من الآية ، قال وقيل : كلاهما للمؤمن والكافر يرويه عطية عن ابن عباس . قال عطاء : الأبكم أبي بن خلف ، ومن يأمر بالعدل : حمزة وعثمان بن عفان ، وعثمان بن مظعون .
قلت والآية تحتمله ، ولا يناقض القولين قبله ، فإن الله على صراط مستقيم ، ورسوله واتباع رسوله ، وضد ذلك : معبود الكفار وهاديهم ، والكافر التابع والمتبوع والمعبود . فيكون بعض السلف ذكر أعلى الأنواع ، وبعضهم ذكر الهادي ، وبعضهم ذكر المستجيب القابل ، وتكون الآية متناولة لذلك كله ، ولذلك نظائر كثيرة في القرآن .
وأما آية هود : فصريحة لا تحتمل إلا معنى واحدا ، وهو أن الهل سبحاه على صراط مستقيم ، وه سبحانه أحق من كان على صراط مستقيم ، فن أقاله كلها صدق ورشد وهدى وعدل وحكمة (وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا ) الأنعام : 115 ، وأفعاله كلها مصالح وحكم ، ورحمة وعدل وخير فالشر لا يدخلفي أفعاله ولا أقواله البتة ، لخروج الشر عن الصراط المستقيم ، فكيف يدخل في أفعال من هو على الصراط المستقيم ، أو أقواله ؟ وإنما يدخل في أفعال من خرج عنه وفي أقواله ..
وفي دعائه عليه الصلاة والسلام ( لبيك وسعديك ، والخير كله بيديك ، والشر يس إليك ) ولا يلتفت إلى تفسير من فسره بقوله : والشر لا يتقرب به إليك ، أو لا يصعد إليك ، فإن المعنى أجل من ذلك ، وأكبر وأعظم قدرا ، فإن من أسماؤه كلها حسنى ، وأوصافه أو أفعاله وأقواله حكم ، وأقواله كلها صدق وعدل : يستحيل دخول الشر في أسمائه أو أوصافه ، أو أفعاله وأقواله ، فطابق بين هذا المعنى وبين قوله ( إن ربي على صراط مستقيم ) وتأمل كيف ذكر هذا عقيب قوله ( إني توكلت على الله ربي وربكم) هود 56 ، أي هو ربي ، فلا يسبمني ولا يضيعني وهو ربكم فلا يسلطكم علي ولا يمكنكم مني فإ، نواصيكم بيده لا تفعلو شيئا بدون مشيئته . فإن ناصية كل دابة بيده ، لا يمكنها أن تتحرك إلا بإذنه . فهو المتصرف فيها ، ومع هذا ، فهو في تصرفه فيها وتحريكه لها ، ونفوذ قضائه وقدره فيها على صراط مستقيم ، لا يفعل ما يفعل من ذلك إلا بحكمه وعدل ومصلحة ، ولو سلطكم علي فله من الحكمة في ذلك ماله الحمد عليه ، لأنه تسليط من هو على صراط مستقيم ، لا يظلم ولا يفعل شيئا عبثا بغير حكمة .
وحشة التفرد .. علاجها عدم الالتفات
ولما كان طالب الصراط المستقيم طالب أمر أكثر الناس ناكبون عنه ، مريدا لسلوك طريق ، مرافقه فيها في غاية القلة والعزة . والنفوس مجبولة على وحشة التفرد ، وعلى الأنس بالرفيق ، نبه الله سبحانه على الرفيق في هذا الطريق ، وأنهم هم الذين ( أنعم الله عليهم من النبييين والصديقين والشهداء والصالحين . وحسن أولئك رفيقا ) فأضاف الصراط إلى الرفيق السالكين له ، وهم الذين أنعم الله عليهم ، ليزول عن الطالب للهداية وسلوك الصراط وحشة تفرده عن أهل زمانه وبني جنسه ، وليعلم أن رفيقه في هذا الصراط : هم الذين أنعم الله عيهم . فلا يكترث بمخالفة الناكبين عنه له ، فإنهم هم الأقلون قدرا ، وإن كانوا الأكثرين عددا ، كما قال بعض السلف ( عليك بطريق الحق ، ولا تستوحش لقلة السالكين وإياك وطريق الباطل ولا تغتر بكثرة الهالكين ) وكلما استوحشت في تفردك فانظر إلى الرفيق السابق ، واحرص على اللحاق بهم . وغض الطرف عمن سواهم ، فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا ، وإذا صاحبو بك في طريق سيرك ، فلا تلتفت إليهم . فإنك متى التفت إليهم أخذوك وعاقوك .
وقد ضربت لذلك مثلين ، فليكونا منك على بال .
المثل الأول : رجل خرج من بيته إلى الصلاة ، لا يريد غيرها ، فعرض له في طرقه شيطان من شياطين الإنس ، فألقى عليه كلاما يؤذيه . فوقف ورد عليه ، وتماسكا فربما كان شيطان الإنس أقوى منه ، فقهره ، ومنعه عن الوصول إلى المسجد ، حتى فاتته الصلاة ، وربما كان الرجل أقوى من شيطان الإنس ، نولكن اشتغل بمهاوشته ، عن الصف الأول ، وكمال إدراك الجماعة ، فإن التفت إليه أطمعه في نفسه ، وربما فترت عزيمته ، فإن كان له معرفة وعلم زاد في السعي بقدر التفاته أو أكثر ، فإن أعرض عنه واشتغل بما هو بصدده ، وخاف فوت الصلاة أو الوقت لم يبلغ عدوه منه ما شاء .
المثل الثاني : الظبي أشد سعيا من الكلب ، ولكنه إذا أحس به التفت إليه فيضعف سعيه ، فيدركه الكلب فيأخذه ..
والقصد : أن في ذكر هذا الرفيق مايزيل وحشة التفرد ، ويحث على السير والتشمير للحاق بهم ، وهذه إحدى الفوائد في دعاء القنوت ( اللهم اهدني فيمن هديت ) أي أدخلني في هذه الزمرة ، واجعلني رفيقا لهم ومعهم .
والفائدة الثانية : أنه توسل إلي الله بنعمه ، وإحسانه إلى من أنعم عليه بالهداية أي قد أنعمت بالهداية على من هديت ، وكان ذلك نعمة منك ، فاجعل لي نصيبا من هذه النعمة ، واجعلني واحدا من هؤلاء المنعم عليهم فهو توسل إلى الله بإحسانه .
والفائدة الثالثة : كما يقول السائل للكريم : تصدق علي في جملة من تصدقت عليهم ، وعلمني في جملة من علمته ، وأحسن إلى في جملة من شملته بإحسانك .
نتوسل إلى الله بأسمائه وبعبوديته
ولما كان سؤال الله الهداية إلى الصراط المستقيم أجل المطالب ، ونيله أشرف المواهبت :علم الله عباده كيفية سؤاله ، وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه ، وتمجيده ، ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم ، فهاتان وسيلتان إلى مطلوبهم ، توسل إليه بأسمائه وصفاته ، وتوسل إليه بعبوديته ، وهاتان الوسيلتان لا يكاد يرد معهما الدعاء ، ويؤيدهما الوسيلتان المذكورتان في حديثي الاسم الأعظم اللذين رواهما ابن حبان في صحيحه ، والإمام أحمد والترمذي .
أحدهما : حديث عبد الله بن بيدة عن أبيه قال : ( سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو ، ويقول اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك الله الذي لا إله إلا أنت ، الأحدالصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، فقال : والذي نفسي بيده ، لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب ، وإذا سئل به أعطى ) قال الترمذي : حديث صحيح ، فهذا توسل إلى الله بتوحيده ، وشهادة الداعي له بالوحدانية ، وثبوت صفاته المدلول عيها باسم ( الصمد ) وهو كما قال ابن عباس (العالم الذي كمل علمه ، القادر الذي كملت قدرته )وفي رواية عنه ( هو السيد الذي قد كمل فيه جميع أنواع السؤدد ) وقال أبو وائل ( هو السيد الذي انتهى سؤدده وقال سعيد بن جبير : ( هو الكامل في جميع صفاته وأفعاله وأقواله ) وبنفي التشبيه والتمثيل عنه بقوله ( ولم يكن له كفوا أحد ) وهذه ترجمة عقيدة أهل السنة ، والتوسل بالإيمان بذلك ، والشهادة به هو الاسم الأعظم .
والثاني : حديث أنس ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يدعو : اللهم إني أسألك بأن لك الحمد ، لا إله إلا أنت ، المنان ، بديع السماوات والأرض ، ذا الجلال والإكرام ، ياحي ياقيوم ، فقال : لقد سأل الله باسمه الأعظم ) فهذا توسل إليه بأسمائه وصفاته .
وقد جمعت الفاتحة الوسيلتين وهما التوسل بالحمد ، والثناء عليه وتمجيده ، والتوسل إليه بعبوديته وتوحيده ، ثم جاء سؤال أهم المطالب ، وأنجح الرغائب ـ وهو الهداية ـ بعد الوسيلتين فالداعي به حقيق بالإجابة .
ونظير هذا : دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ، الي كان يدعو به إذا قام يصلي من الليل . رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس (اللهم لك الحمد ، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق ووعدك الحق ، ولقاؤك حق ، والجنة حق ، والنار حق ، والنبيون حق ، والساعة حق ، ومحمد حق ، اللهم لك أسلمت ، وبك آمنت وعليك توكلت ، وإليك أنبت ، وبك خاصمت ، وإليك حاكمت . فاغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما أسررت وا أعلنت ، أنت إلهي لا إله إلا أنت ) فذكر التوسل إليه بحمده والثناء عيه وبعبوديته له . ثم سأله المغفرة . ص 25
فاتحة التوحيد
تشتمل الفاتحة على أنواع التوحيد الثلاثة التي اتفق عليها الرسل صلوات الله وسلامه عليهم .
التوحيد نوعان : نوع في العلم والاعتقاد ، ونوع في الإرادة والقصد . ويسمى الأول : التوحيد العلمي ، والثاني التوحيد القصدي الإرادي ، لتعلق الأول بالأخبار والمعرفة ، والثاني بالقصد والإرادة ، وهذا الثاني أيضا نوعان : توحيد في الربوبية ، وتوحيد في الألهية ، فهذه ثلاثة أنواع ..
فأما توحيد العلم : فمداره على إثبات صفات الكمال ، وعلى نفي التشبيه والمثال ، والتنزيه عن العيوب والنقائض ، وقد دل على هذا شيئان : مجمل ، ومفصل .
أما المجمل : فإثبات الحمد له سبحانه ، وأما المفصل : فذكر صفة الإلهية والربوبية ، والرحمة والملك ، وعلى هذه الأربع مدار الأسماء والصفات .
فأما تضمن الحمد لذلك : فإن الحمد يتضمن مدح المحمود بصفات كماله ، ونعوت جلاله ، مع محبته والرضا عنه ، والخضوع له ، فلا يكون حامدا من جحد صفات المحمود ، ولا من أعرض عن محبته والخضوع له ، وكلما كانت صفات كمال المحمود أكثر كان حمده أكمل ، وكلما نقص من صفات كماله نقص من حمده بحسبها ، ولهذا كان الحمد كله لله حمد لا يحصيه سواه ، لكمال صفاته وكثرتها ، ولأجل هذا لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه ، لما له من صفات الكمال نعوت الجلال التي لا يحصيها سواه ، ولهذا ذم الله تعالى آلهة الكفار ، وعابها بسلب أوصاف الكمال عنها ، فعابها بأنها لا تسمع ولا تبصر ، ولا تتكلم ولا تهدي ولا تنفع ولا تضر ، وهذه صفة إله الجهمية ، التي عاب بها الأصنام ، نسبوها إليه ، تعالى الله عما يقول الطالمون والجاحدون علوا كبيرا ، فقال تعالى حكاية عن خليله إبراهيم عليه السلام في محاجته لأبيه ( يا أبت لم تعبد ملا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ) مريم 42 ، فلو كان إله إبراهيم بهذه الصفة والمثابة لقال له آزر : وأنت إلهك بهذه المثابة ، فكيف تنكر على ، ولكن كان ـ مع شركه ـ أعرف بالله من الجهمية وكذلك كفار قريش كانو ـ مع شركهم ـ مقرين بصفات الصانع سبحانه وعلوه على خلقه ، وقال تعالى ( واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين ) الأعراف 148، فلو كان إله الخلق سبحانه كذلك لم يكن في هذا إنكار عيهم ، واستدلال على بطلان الإلهية بذلك .
فإن قيل : فالله تعالى لا يكلم عباده .
قيل : بلى ، قد كلمهم ، فمنهم من كلمه الله من وراء حجاب ، منه إليه بلا واسطة ، كموسى ، ومنهم من كلمه الله على لسان رسوله الملكي ، وهم الأنبياء ، وكلم الله سائر الناس على ألسنة رسله ، فأنزل عليهم كلامه الذي بلغته رسله عنه .
وقالوا لهم : هذا كلام الله الذي تكلم به ، وأمرنا بتبليغه إليكم ، ومن هنا قال السلف : من أنكر كون الله متكلما فقد أنكر رسالة الرسل كلهم ، لأن حقيقتها تبليغ كلامخ الذي تكلم به إلى عباده ، فإذا انتفى كلامه انتفت الرالة ، وقال تعالى في سورة طه عن السامري ( فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي ، أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا ) طه 89، ورجع القول : هو التكلم والتكليم وقال تعالى : ( وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء هو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ) النحل 76، فجعل نفي صفة الكلام مجبا لبطلان الإلهية : وهذا أمر معلوم بالفطر والعقول السليمة والكتب السماوية ، أن فاقد صفات الكمال لا يكون إلها ، ولا مدبرا ولا ربا ، بل هو مذموم ، معيب ناقص ، ليس له الحمد ، لا في الأولى ، ولا في الآخرة ، وإنما الحمد في الأولى والآخرة لمن له صفات الكمال ، ونعوت الجلال ، التي لأجلها استحق الحمد ، ولهذا سمى السلف كتبهم التي صنفوها في السنة ، وإثبات صفات الرب وعلوه على خلقه ، وكلامه وتكليمه : توحيدا ، لأن نفي ذلك وإنكاره والكفر به إنكار للصانع ، وجحد له ، وإنما توحيده : إثبات صفات كماله ، وتنزيهه عن التشبيه والنقائص ، فجعل المعطلة جحد الصفات وتعطيل الصانع عنها توحيدا ، وجعلوا إثباتها لله تشبيها وتجسيما وتركيبا ، فسموا الباطل باسم الحق ، ترغيبا فيه ، وزخرفا ينفقونه به ، وسموا الحق باسم الباطل تنفيرا عنه ، والناس أكثرهم ليس لهم نقد النقاد (من يهد الله فهو المهتد ، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ) ، الكهف 17، والمحمود لا يحمد على العدم والسكوت البتة ، إلا إذا كانت سلب عيوب ونقائص ، تتضمن إثبات أضدادها من الكمالات الثبوتية ، وإلا فالسلب المحض لا حمد فيه ، ولا مدح ولا كمال .
وكذلك حمده لنفسه على عدم اتخاذ الولد المتضمن لكمال صمديته وغناه وملكه ، وتعبيد كل شيء له ، فاتخاذ الولد ينافي ذلك ، كما قال تعالى ( قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السموات وما في الأرض ) يونس 68 وحمد نفسه على عدم الشريك المتصمن تفرده بالربوبية الإلهية ، وتوحده بصفات الكمال التي لا يوصف بها غيره ، فيكون شريكا له ، فلو عدمها لكا كل موجود أكمل منه ، لأن الموجود أكمل من المعدوم ، ولهذا لا يحمد نفسه سبحانه بعدم ، إلا إذا كان متضمنا لثبوت كمال ، كما حمد نفسه بكونه لا يمت لتضمنه كمال حياته ، وحمد نفسه بكونه لا تأخذه سنة لا نوم ، لتضمن ذلك كمال قيوميته ، وحمد نفسه بأنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ، لكمال علمه وإحاطته .
وحمد نفسه بأنه لا يظلم أحدا ، لكمال عدله وإحسانه ، وحمد نفسه بأنه لا تدركه الأبصار ، لكمال عظمته ، لا يرى ولا يدرك ، كما أنه يعلم ولا يحاط به علما ، فمجرد نفي الرؤية ليس بكمال ، لأن العدم لا يرى ، فليس في كون الشيء لا يرى كمال البته ، وإنما الكمال في كونه لا يحاط به رؤية ولا إدراكا ، لعظمته في نفسه ، وتعاليه عن إدراك المخلوق له ، وكذلك حمد نفسه بعدم الغفل والنسيان ، لكمال علمه ، فكل سلب في القرآن حمد الله به نفسه فلمضادته لثبوت ضده ، ولتضمنه كمال ثبوت ضده فعلمت أن حقيقة الحمد تابعة لثبوت أوصاف الكمال ، وأن نفيها نفي لحمده ، ونفي الحمد مستلزم لثبوت ضده .
لا تنفي معاني الأسماء
فهذه دلالة على توحيد الأسماء والصفات .
وأما دلالة الأسماء الخمسة عيها ، وهي الله ـ والرب ـ والرحمن ـ والرحيم ـ والملك ـ فمبنيى على أصلين :
أحدهما : أن أسماء الرب تبارك وتعلى دالة على صفات كماله ، فهي مشتقة من الصفات ، فهي أسماء ، وهي أوصاف ، وبذلك كانت حسنى إذ لو كانت ألفاظا لا معاني فيها لم تكن حسنى ولا كانت دالة على مدح ولا كمال ، ولساغ وقوع أسماء الانتقام والغضب في مقام الرحمة والإحسان ، وبالعكس ، فيقال : اللهم إني ظلمت نفسي ، فاغفر لي إنك أنت المنتقم ، واللهم أعطني ، فإنك أنت الضار المانع ، ونحو ذلك ..
ونفي معاني أسمائه الحسنى من أعظم الإلحاد فيها ، قال تعالى (وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ) الأعراف 180، ولأنها لو لم تدل على معان وأوصاف لم يجز أن يخبر عنها بمصادرها ويوصف بها ، لكن الله أخبر عن نفسه بمصادرها ، وأثبتها لنفسه ، وأثبتها له رسوله كقوله تعالى : ( إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين ) الذاريات 58، فعلم أن ( القوى ) من أسمائه ، ومعناه الموصوف بالقوة ، وكذلك قوله : ( فلله العزة جميعا ) فاطر 10، فالعزيز من له العزة ، فلولا ثبوت القوة والعزة له لم يسم قويا ولا عزيزا ، وكذلك قوله : ( أنزله بعلمه ) النساء 166، (فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ) هود 14..
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله لا ينام ، ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار ، وعمل النهار قبل الليل ، حجابه النور ، لو كشفه لأحقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه ) فأثبت المصدر الذي اشتق منه اسمه ( البصير ) ..
وفي صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها ( الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات ) وفي الصحيح حديث الاستخارة ( اللهم إني أستخيرك بعلمك ، وأستقدرك بقدرتك ) فهو قادر بقدرة ..
وقال تعلى لموسى : ( إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ) الأعراف 144 ، فهو متكلم بكلام ،
وهو العظيم الذي له العظمة ، كما فيالصحيح عنه صلى الله عليه وسلم( يقول الله تعالى : العظمة إزاري والكبرياء ردائي ) وهو الحكيم الذي له الحكم ( فالحكم لله العلي الكبير ) غافر 12، وأجمع المسلمون أنه لو حلف بحياة الله ، أو سمعه ، أو بصره ، أو قوته ، أو عزته ، أو عظمته : انعقدت يمينه ، وكانت مكفرة ، لأن هذه صفات كماله التي اشتقت منها أسماؤه .
وأيضا فلو لم تكن أسماؤه مشتملة على معان وصفات لم يسغ أن يخبر عنه بأفعالها ، فلا يقال : يسمع ويرى ، ويعلم ويقدر ويريد . فإن ثبوت أحكام الصفات فرع ثبوتها ، فإذا انتفى أصل الصفة استحال ثبوت حكمها .
وأيضا فلو لم تكن أسماؤه معان وأوصاف لكانت جامدة كلاأعلام المحضة ، التي لم توضع لمسماها باعتبار معنى قام به ، فكانت كلها سواء ، ولم يكن فرق بين مدلولاتها ، وهذا مكابرة صريحة ، وبهت بين ، فإن من جعل معنى اسم ( القدير ) هو معنى اسم ( السميع ، البصير ) ومعنى اسم ( التواب ) هو معني اسم ( المنتقم ) ومعنى ( المعطي ) هو معني اسم ( المانع ) فقد كابر العقل واللغة والفطرة .
فنفي معاني أسمائه من أعظم الإلحاد فيها …
ضرورة فهم لوازم الصفات
الأصل الثاني : أن الاسم من أسمائه تبارك وتعالى كما يدل على الذات والصفة التي اشتق منها بالمطابقة ، فإنه يدل على دلالتين أخريين بالتضمن واللزوم . فيدل على الصفة بمفردها بالتضمن ، وكذلك على الذات المجردة عن الصفة ، ويدل على الصفة الأخرى باللزوم ، فإن اسم ( السميع ) يدل على ذات الرب وسمعه بالمطابقة . وعلى الذات وحدها وعلى السمع وحده بالتضمن ..ويدل على اسم (الحي) وصفه الحياة بالالتزام . وكذلك سائر أسمائه وصفاته ، ولكن يتفاوت الناس في معرفة اللزوم وعدمه ومن ههنا يقع اختلافهم في كثير من الأسماء والصفات والأحكام ، فإن من علم أن الفعل الاختياري لازم للحياة ، وأن السمع والبصر لازمان للحياة الكاملة ، وأن سائر الكمال من لوازم الحياة الكاملة : أثبت من أسماء الرب وصفاته وأفعاله ما ينكره من لم يعرف لزوم ذلك ، ولا عرف حقيقة الحياة ولوازمها ، وكذلك سائر صفاته ..
فإن اسم (العظيم) له لوازم ينكرها من لم يعرف عظمة الله ولوازمها .
وكذلك اسم ( العلي) واسم ( الحكيم ) وسائر أسمائه ، فإن من لوازم اسم ( العلي) العلو المطلق ، بكل اعتبار ، فله العلو المطلق من جميع الوجوه ، علو القدر وعلو القهر وعلو الذات ، فمن جحد علو الذات فقد جحد لوازم اسمه ( العلي ) ..
وكذلك اسمه ( الظاهر ) من لوازمه : أن لا يكون فوقه شيء ، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ( وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ) بل هو سبحانه فوق كل شيء ، فمن جحد فوقيته سبحانه فقد جحد لوازم اسمه ( الظاهر ) ولا يصح أن يكون ( الظاهر ) هو من له فوقية القدر فقط ، كما يقال : الذهب فوق الفضة ، والجوهر فوق الزجاج ، لأن هذه الفوقية تتعلق بالظهور ، بل قد يكون المفوق أظهر من الفائق فيها ، ولا يصح أن يكون ظهور القهر والغلبة فقط ، وإن كان سبحانه ظاهرا بالقهر والغلبة ، لمقابلة الاسم ب( الباطن ) وهو الذي ليس دونه شيء ، كما قابل ( الأول ) الذي ليس قبله شيء بـ ( الآخر ) الذي ليس بعده شيء .
وكذلك اسم ( الحكيم ) من لوازمه ثبوت الغايات المحمودة المقصودة له بأفعاله ، ووضعه الأشياء في مواضعها ، وايقاعها على أحسن الوجوه ، فإنكار ذلك إنكار لهذا الاسم ولوازمه وكذلك سائر أسمائه الحسنى .
دلاله اسم الله على جميع الأسماء الحسنى
إذا تقرر هذان الأصلان ، فاسم ( الله ) دال على جميع الاسماء الحسنى ، والصفات العليا بالدلالات الثلاث ، فإنه دال على إلهيته المتضمنة لثبوت صفات الإلهية له ، مع نفي أضدادها عنه .
وصفات الإلهية هي : صفات الكمال ، المنزهة عن التشبيه والمثال ، وعن العيوب والنقائص ، ولهذا يضيف الله تعالى سائر الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم العظيم ، كقوله تعالى ( ولله الأسماء الحسنى ) الأعراف 180، ويقال : ( الرحمن الرحيم ، والقدوس ، والسلام ، والعزيز ، والحكيم ) من أسماء الله ، ولا يقال : (الله ) من أسماء ( الرحمن ) ولا من أسماء ( العزيز ) ونحو ذلك .
فعلم أن اسمه ( الله ) مستلزم لجميع معاني الأسماء الحسنى ، دال عليها بالإجمال ، والأسماء الحسنى تفصيل وتبيين صفات الإلهية ، التي اشتق منها اسم ( الله ) دال على كونه مألوها معبودا ، تألهه الخلائق محبة وتعطيما وخضوعا ، وفزعا إليه في الحوائج والنوائب . وذلك مستلزم لكمال ربوبيته ورحمته ، المتضمنين لكمال الملك والحمد ، والهيته وربوبيته ورحمانيته وملكه مستلزم لجميع صفات كماله ، إذ يستحيل ثبوت ذلك لمن ليس بحي ، ولا سميع ولا بصير ولا قادر ولا متكلم ولا فعال لما يريد ، ولا حكيم في أفعاله .
وصفات الفعل والقدرة ، والتفرد بالضر والنفع والعطاء والمنع ، ونفوذ المشيئة وكمال القوة ، وتدبير أمر الخليقة : أخص باسم ( الرب ) ..
وصفات الإحسان ، والجود والبر ، والحنان والمنة ، والرأفة واللطف : أخص باسم ( الرحمن ) وكرر إذانا بثبوت الوصف ، وحصول أثره ، وتعلقه بمتعلقاته .
فالرحمن : الذي الرحمة وصفه ، والرحيم : الراحم لعباده ، ولهذا يقول تعلى : ( وكان بالمؤمنين رحيما ) الأحزاب : 43( إنه بهم رءوف رحيم ) التوبة 117، ولم يجيء رحمان بعباده ، ولا رحمان بالمؤمنين معما في اسم ( الرحمن ) الذي هو على وزن فعلان من سعة هذا الوصف ، وثبوت جميع معناه الموصوف به .
ألا ترى أنهم يقولون : غضبان ، للممتليء غضبا ، وندمان وحيران وسكران ولهفان لم مليء بذلك ، فبناء فعلان للسعة والشمول ، ولهذا يقرن استواؤه على العرش بهذا الاسم كثيرا ، كفوله تعالى ( الرحمن على العرش استوى ) طه 5، ( ثم استوى على العرش ) الفرقان 59 ، فاستوى على عرشه باسم الرحمن ، لأن العرش محيط بالمخلوقات ، قد وسعها ، والرحمة محيطة بالخلق واسعة لهم ، كما قال تعالى : ( ورحمتي وسعت كل شيء )الأعراف 156، فاستوى على أوسع المخلوقات بأوسع الصفات . فلذلك وسعت رحمته كل شيء ، وفي الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لما قضى الله الخلق كتب في كتاب ، فهو عنده موضوع على العرش ، إن رحمتي تغلب غضبي ) وفي لفظ ( فهو عنده على العرش ) .
فتأمل اختصاص هذا الكتاب بذكر الرحمة ، ووضعه عنده على العرش ، وطابق بين ذلك وبين قوله ( الرحمن على العرش استوى ) طه : 5، وقوله ( ثم استوى على العرش الرحمن فاسئل به خبيرا ) الفرقان : 59، ينفتح لك باب عطي من معرفة الرب تبارك وتعالى .
وصفات العدل والقبض والبسط ، والخفض والرفع ، والعطاء والمنع ، نوالإعزاز والإذلال ، والقهر والحكم ونحوها ، أخص باسم ( الملك ) وخصه بيوم الدين ، وهو الجزاء بالعدل ، ولتفرده بالحكم فيه وحده ، ولأنه اليوم الحق ، وما قبله كساعة ، ولأنه الغاية ، وأيام الدنيا مراحل إليه .
معنى الرب والرحمن
وتأمل ارتباط الخلق والأمر بهذه الأسماء الثلاثة : وهي ( الله والرب والرحمن ) كيف نشأ عنها الخلق ، والأمر ، والثواب والعقاب ؟ وكيف جمعت الخلق وفقتهم ؟ فلها الجمع . ولها الفرق .
فاسم ( الرب ) له الجمع الجامع لجميع المخلوقات ، فهو رب كل شيء وخالقه ، والقادر عليه ، لا يخرج شيء عن ربوبيته ، وكل من في السموات والأرض عبد له في قبضته ، وتحت قهره ، فاجتمعوا بصفة الربوبية ، وافترقوا بصفة الإلهية ، فألهه وحده السعداء ، وأقروا له طوعا بأنه الله الذي لا إله إلا هو ، الذي لا تنبغي العبادة والتوكل والرجاء والخوف ، والحب والإنابة والإخبات والخشية ، والتذلل والخضوع إلا له .
وهنا افترق الناس ، وصاروا فريقين : فيقا مشركين في السعير ، وفريقا موحدين في الجنة ، فالإلهية هي التي فرقتهم ، كما أن الربوبية هي التي جمعتهم .
فالدين والشرع ، والأمر والنهي ، مظهره وقيامه : من صفة الإلهية ، والخلق والإيجاد والتدبير والفعل من صفة الربوبية . والجزاء بالثواب والعقاب والجنة والنار : من صفة الملك . وهو ملك يوم الدين ، فأمرهم بإلهيته ، وأعانهم ووفقهم وهداهم وأضلهم بربوبيته ، وأثابهم وعاقبهم بملكه وعدله ، وكل واحدة من هذه الأمور لا تنفك عن الأخرى .
وأما الرحمة فهي التعلق ، والسبب الذي بين الله وبين عباده ، فالتأليه منهم له ، والربوبية منه إليهم ، والرحمة سبب واصل بينه وبين عباده ، بها أرسل إليهم رسله ، وأنزل عليهم كتبه ، وبها هداهم ، وبها أسكنهم دار ثوابه ، وبها رزقهم وعافاهم وأنعم عليهم ، فبينهم وبينه سبب العبودية ،وبينه وبينهم سبب الرحمه ..
معنى الرب والرحمن
وتأمل ارتباط الخلق والأمر بهذه الأسماء الثلاثة . وهي ( الله والرب والرحمن ) .. كيف نشأ عنها الخلق والأمر ، والثواب والعقاب ؟ وكيف جمعت الخلق وفرقتهم ؟ فلها الجمع . ولها الفرق .
فاسم ( الرب ) له الجمع الجامع لجميع المخلوقات . فهو رب كل شيء وخالقه ، والقادر عليه لا يخرج شيء عن ربوبيته . وكل من في السماوات والأرض عبد له في قبضته ، وتحت قهره ، فاجتمعوا بصفة الربوبية ، وافترقوا بصفة الألهية ، فألهه وحده السعداء ، وأقروا له طوعا بأنه الله الذي لا إله إلا هو ، الذي لا تنبغي العبادة والتوكل والرجاء والخوف ، والحب والإنابة والإخبات والخشية ، والتذلل والخضوع إلا له .
وهنا افترق الناس ، وصاروا فريقين : فريقا مشركين في السعير ، وفريقا موحدين في الجنة ، فالإلهية هي التي فرقتهم ، كما أن الربوبية هي التي جمعتهم .
فالدين والشرع ، والأمر والنهي ، مظهره وقيامه : من صفة الإلهية . والخلق والإيجاد والتدبير والفعل : من صفة الربوبية ، والجزاء بالثواب والعقاب والجنة والنار : من صفة الملك ، وهو ملك يوم الدين . فأمرهم بإلهيته ، وأعانهم ووفقهم وهداهم وأضلهم بربوبيته ، وأثابهم وعاقبهم بملكه وعدله ، وكل واحدة من ثذه الأمور لا تنفك عن الأخرى ..
وأما الرحمة : فهي التعلق ، والسبب الذي بين الله وبين عباده ، فالتأليه منهم له ، والربوبية منه لهم ، والرحمة سبب واصل بينه وبين عباده ، بها أرسل إليهم رسله ، وأنزل عليهم كتبه ، وبها هداهم ، وبها أسكنهم دار ثوابه ، وبها رزقهم وعافاهم وأنعم عليهم ، فبينهم وبينه سبب العبودية وبينه وبينهم سبب الرحمة ..
واقتران ربوبيته برحمته كاقتران استوائه على عرشه برحمته . فـ ( الرحمن على العرش استوى ) مطابق لقوله ( رب العالمين ، ارحمن الرحيم ) فإن شمول الربوبية وسعتها بحيث لا يخرج شيء عنها اقتضى شمول الرحمة وسعتها ، فوسع كل شيء برحمته وربوبيته ، فوسع كل شيء برحمته وربوبيته ، مع أن في كونه ربا للعالمين ما يدل على علوه على خلقه ، وكونه فوق كل شيء ، كما يأتي بيانه إن شاء الله ..
المحمود
في ذكر هذه الأسماء بعد الحمد ، وإيقاع الحمد على مضمونها ومقتضاها ، : مايدل على أنه محمود في إلهيته ، محمود في ربوبيته ، محمود في رحمانيته ، محمود في ملكه ، وأنه إله محمود ، ورب محمود ، ورحمان محمود ، وملك محمود ، فله بذلك جميع أقسام الكمال ، كمال من هذا الاسم بمفرده ، وكمال من الآخر مفرده ، وكمال من اقتران أحدهما بالآخر .
مثال ذلك : قوله تعالى ( والله غني حميد ) ( والله عليم حكيم ) ( والله قدير والله غفور رحيم ) فالغنى صفة كمال ، واقتران غناه بحمده كمال أيضا ، وعلمه كمال ، وحكمته كمال ، واقتران العلم بالحكمة كمال أيضا ، وقدرته كمال ومغفرته كمال ، واقتران القدرة بالمغفرة كمال ، وكذلك العفوبعد القدرة ( فإن الله كان عفوا قديرا ) النساء 149، واقتران العلم بالحلم ( والله عليم حليم ) النساء 12..
فما كل من قدر عفا ، ولا كل من عفا يعفو عن قدرة ، ولا كل من علم يكون حليما ، ولا كل حليم عالم ، فما قرن شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم ، ومن عفو إلى قدرة ، ومن ملك إلى حمد ، ومن عزة إلى رحمة ( وإن ربك لهو العزيز الرحيم ) الشعراء 9، ومن ههنا كان قول المسيح عليه السلام : ( إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) .. المائدة 118 ، أحسن من أن يقول : وإن تغفر لهم فإنك الغفور الرحيم .. أي إن غفرت لهم كان مصدر مغفرتك عزة ، وهي كمال القدرة ، وعن حكمة ، وهي كمال العلم ، فمن غفر عن عجز وجهل بجرم الجاني لا يكون قادرا حكيما عليما ، بل لا يكون ذلك إلا عجزا فأنت لا تغفر إلا عن قدرة تامة ، وعلم تام ، وحكمة تضع بها الأشياء مواضعها ، فهذا أحسن من ذكر ( الغفور الرحيم ) في هذا الموضع الدال ذكره على التعريض بطلب المغفرة في غير حينها ، وقد فاتت ، فإنه لو قال : وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم . كان في هذا ـ من الاستعطاف والتعريض بطلب المغفرة لمن لا يستحقها ـ ما ينزه عنه منصب المسيح عليه السلام ، لا سيما والموقف موقف عظمة وجلال ، وموقف انتقام ممن جعل له ولدا ، واتخذه إلها من دونه فذكر العزة والحكمة فيه أليق من ذكر الرحمة والمغفرة ، وهذا بخلاف قول الخليل عليه السلام ( واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ، رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ) إبراهيم 36 ، ولم يقل : فإنك عزيز حكيم ، لأن المقام مقام استعطاف وتعريض بالدعاء ، أي أن تغفر لهم وترحمهم ، بأن توفقهم للرجوع من الشرك إلى التوحيد ، ومن المعصية إلى الطاعة ، كما في الحديث ( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) …..
وفي هذا أظهر الدلالة على أن أسماء الرب تعالى مشتقة من أوصاف ومعان قامت به ، وأن كل اسم يناسب ماذكر معه ، واقترن به ، من فعله وأمره . والله الموفق للصواب ..
مراتب الهداية
مراتب الهداية الخاصة والعامة عشر مراتب :
المرتبة الأولى : مرتبة تكليم الله عز وجل لعبده يقظة بلا واسطة ، بل منه إليه ، وهذه أعلى مراتبها ، كما كلم موسى بن عمران ، صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه ، قال الله تعالى : ( وكلم الله موسى تكليما ) النساء 164، فذكر في أول الآية وحيه إلى نوح والنبيين من بعده ، ثم خص موسى من بينهم بالإخبار بأنه كلمه ، وهذا يدل على أن التكليم الذي حصل له أخص من مطلق الوحي الذي ذكر في أول الآية . ثم أكده بالمصدر الحقيقي الذي هو مصدر ( كلم ) وهو ( التكليم ) رفعا لما يتوهمه المعطلة والجهمية والمعتزلة وغيرهم من أنه إلهام ، أو إشارة ، أو تعريف للمعنى النفسي بشيء غير التكليم ، فأكده بالمصدر المفيد تحقيق النسبة ورفع توهم المجاز . قال الفراء : العرب تسمي ما يوصل إلى الإنسان كلاما بأي طريق وصل . ولكن لا تحققه بالمصدر ، فإذا حققته بالمصدر لم يكن إلا حقيقة الكلام ، كالإرادة ، يقال : فلان أراد إرادة ، يريدون حقيقة الإرادة ، ويقال : أراد الجدار ، ولا يقال : إرادة . لأنه مجاز غير حقيقة ، هذا كلامه ، وقال تعالى : ( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب إرني أنظر إليك ) الأعراف 143، وهذا التكليم غير التكليم الأول الذي أرسله به إلى فرعون ، وفي هذا التكليم الثاني سأل النظر ، لا في الأول ، وفيه أعطى الألواح . وكان عن مواعدة من الله ، والتكليم الأول لم يكن عن مواعدة ، وفيه قال الله له : ( إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ) الأعراف 144، أي بتكليمي لك بإجماع السلف .
ولقد أخبر سبحانه في كتابه : أنه ناداه وناجاه، فالنداء من بعد ، والنجاء من قرب .
وفي حديث الإسراء في رؤية موسى في السماء السادسة أو السابعة ، على اختلاف الرواية ، قال : ( وذلك بتفضيله بكلام الله ) ولو كان التكليم الذي حصل له من جنس ما حصل لغيره من الأنبياء لم يكن لهذا التخصيص به في هذه الأحاديث معنى . ولا كان يسمى ( كليم الرحمن ) وقال تعالى : ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ) الشورى 51 ، ففرق بين تكليم الوحي والتكليم بإرسال الرسول ، والتكليم من وراء حجاب .
المرتبة الثانية : مرتبة الوحي المختص بالأنبياء : قال الله تعالى : ( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ) النساء 163، وقال ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ) الشورى 51، فجعل الوحي في هذه الآية قسما من أقسام التكليم ، وجعله في آية النساء قسيما للتكليم . وذلك باعتبارين ، فإنه قسيم التكليم الخاص الذي هو بلا واسطة ، وقسم من التكليم العام الذي هو إيصال المعنى بطرق متعددة .
والوحي في اللغة ( هو الإعلام السريع الخفي ، ويقال في فعله : وحى ، وأوحى ، قال رؤية ( وحى لها القرار فاستقرت ) وهو أقسام كما سنذكره ،
المرتبة الثالثة : إرسال الرسول الملكي إلى الرسول البشري ، فيوحي إليه عن الله ما أمره أن يوصله إليه ، فهذه المراتب الثلاث خاصة بالأنبياء ، لا تكون لغيرهم .
ثم هذا الرسول الملكي قد يتمثل للرسول البشري رجلا ، يراه عيانا ويخاطبه ، وقد يراه على صورته التي خلق عليها ، وقد يدخل فيه الملك ، ويوحي إليه ما يوحيه ، ثم يفصم عنه ، أي يقلع والثالثة حصلت لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم .
المرتبة الرابعة : مرتبة التحديث . وهذه دون مرتبة الوحي الخاص ، وتكون دون مرتبة الصديقين ، كما كانت لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنه كان في الأمم قبلكم محدثون ، فإن يكن في هذه الأمة فعمر بن الخطاب ) .
وسمعت شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية رحمه الله يقول : جزم بأنهم كائنون في الأمم قبلنا وعلق وجودهم في هذه الأمة بـ ( إن ) الشرطية ، مع أنها أفضل الأمم ، لاحتياج الأمم قبلنا إليهم . واستغناء هذه الأمة عنهم بكمال نبيها ورسالته ، فلم يحوج الله الأمة بعده إلى محدث ولا ملهم ، ولا صاحب كشف ولا منام ، فهذا التعليق لكمال الأمة واستغنائها لا لنقصها .
والمحدث : هو الذي يحدث في سره وقلبه بالشيء فيكون كما يحدث به .
قال شيخنا : والصديق أكمل من المحدث ، لأنه استغنى بكمال صدقيته ومتابعته عن التحديث والإلهام والكشف ، فإنه قد سلم قلبه كله وسه وظاهره وباطنه للرسول صلى الله عليه وسلم .
قال : وكان هذا المحدث يعرض ما يحدث به على ما جاء به الرسول ، فإن وافقه قبله ، وإلا رده ، فعلم أن مرتبة الصديقية فوق مرتبة التحديث .
قال : وأما ما يقوله كثير من أصحاب الخيالات والجهالات ( حدثني قلبي عن ربي ) فصحيح أن قلبه حدثه ، ولكن عمن ؟ عن شيطانه ، أو عن ربه ؟ فإذا قال : ( حدثني قلبي عن ربي ) كان مسندا الحديث إلى من لم يعلم أنه حدثه به ، وذلك كذب .
قال : ومحدث الأمة لم يكن يقول ذلك ، ولا تفوه به يوما من الدهر ، وقد أعاذه الله من أن يقول ذلك . بل كتب كاتبه يوما : ( هذا ما أرى الله أمير المؤمنين ، عمر بن الخطاب ) فقال : لا …أمحه ، واكتب : هذا ما رأى عمر بن الخطاب ، فإن كان صوابا فمن الله ، وإن كان خطأ فمن عمر ، والله ورسوله منه بريء ) وقال في الكلالة : ( أقول فيها برأيي ، فإن يكن صوابا فمن الله ، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان ) .
فانظر إلى ما بين القائلين والمرتبتين والقولين والحالين ، وأعط كل ذي حق حقه ، ولا تجعل الزغل والخالص شيئا واحدا ..
المرتبة الخامسة : مرتبة الإفهام ، قال الله تعالى : ( وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم ، وكنا لحكمهم شاهدين ، ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما ) الأنبياء 78،79 ، فذكر هذين النبيين الكريمين ، وأثنى عليهما بالعلم والحكم ، وخص سليمان بالفهم في هذه الواقعة المعينة ، وقال علي بن أبي طالب ـ وقد سئل ( هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء دون الناس ؟ ) فقال : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، إلا فهما يؤتيه الله عبدا في كتاب ، وما في هذه الصحيفة ، وكان فيها العقل ، وهو الديات ، وفكاك الأسير ، وأن لا يقتل مسلم بكافر ) .. وفي كتاب عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري ، رضي الله عنهما ، و( الفهم الفهم فيما أدلى إليك ) فالفهم نعمة من الله على عبده ، ونور يقذفه الله في قلبه ، يعرف به ، ويدرك ملا يدركه غيره ولا يعرفه ، فيفهم من النص ما لا يفهمه غيره ، مع استوائهما في حفظه ، وفهم أصل معناه ..
فالفهم عن الله ورسوله عنوان الصديقية ، ومنشور الولاية النبوية ، فيه تفاوتت مراتب العلماء ، حتى عد ألف بواحد ، فانظر إلى فهم ابن عباس ، وقد سأله عمر ، ومن حضر من أهل بدر وغيرهم عن سورة ( إذا جاء نصر الله والفتح ) وما خص به ابن عباس من فهمه منها ( أنها نعى الله سبحانه نبيه إلى نفسه ) وإعلامه بحضور أجله ، وموافقة عمر له على ذلك ، وخفائه عن عيرهما من الصحابة وابن عباس إذ ذاك أحدثهم سنا ، وأين تجد في هذه السورة الإعلام بأجله ، لولا الفهم الخاص؟ ويدق هذا حتى يصل إلى مراتب تتقاصر عنها أفهام أكثر الناس ، فيحتاج مع النص إلى غيره ، ولا يقع الاستغناء بالنصوص في حقه ، أما في حق صاحب الفهم : فلا يحتاج مع النصوص إلى غيرها ..
المرتبة السادسة : مرتبة البيان العام ، وهو تبيين الحق وتمييزه من الباطل بأدلته وشواهده وأعلامه ، بحيث يصير مشهودا للقلب ، كشهود العين للمرئيات .
وهذه المرتبة هي حجة الله على خلقه ، التي لا يعذب أحدا ولا يضله إلا بعد وصوله إليها . قال الله تعالى : ( وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون ) التوبة 115، فهذا الإضلال عقوبة منهم لهم حين يبين لهم ، فلم يقبلوا ما بينه لهم ولم يعملوا به . فعاقبهم بأن أضلهم عن الهدى ، وما أضل الله سبحانه أحدا قط إلا بعد هذا البيان .
وإذا عرفت هذا عرفت سر القدر ، وزالت عنك شكوك كثيرة وشبهات في هذا الباب ، وعلمت حكمة الله في إضلاله من يضله من عباده ، والقرآن يصرح بهذا في غير موضع ، كقوله : ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) الصف 5، ( وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم ) النساء 155، فالأول : كفر عناد ، والثاني : كفر طبع ، وقوله : ( ويقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ، ونذرهم في طغيانهم يعمهون )الأنعام 110 ، فعاقبهم على ترك الإيمان به حين تيقنوه وتحققوه ، بأن قلب أفئدتهم وأبصارهم فلم يهتدوا له . فتأمل هذاالموضعحق التأمل ، فإنه موضع عظيم ..
وقال تعالى ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ) فصلت 17، فهذا هدى بعد البيان والدلالة ، وهو شرط لا موجب ، فإنه إن لم يقترن به هدي آخر بعده لم يحصل به كمال الاهتداء ، وهو هدي التوفيق والإلهام .
وهذا البيان نوعان : بيان بالآيات المسموعة المتلوة وبيان بالآيات المشهودة المرئية ، وكلاهما أدلة وآيات على توحيد الله وأسمائه وصفاته وكماله ، نوصدق ما أخبرت به رسله عنه ، ولهذا يدعو عباده بآياته المتلوة إلى التفكر وآياته المشهودة ، ويحضهم على التفكر في هذه وهذه ، وهذا البيان هو الذي بعثت به الرسل . وجعل إليهم وإلى العملاء بعدهم ، وبعد ذلك يضل الله من يشاء . قال الله تعالى : ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم ) إبراهيم 4 ، فالرسل تبين ، والله هو الذي يضل من يشاء ويهدي من يشاء بعزته وحكمته .
المرتبة السابعة : البيان الخاص ، نوهو البيان المستلزم للهداية الخاصة ، وهو بيان تقارنه العناية الإلهية والتوفيق والاجتباء ، وقطع أسباب الخذلان وموادها عن القلب فلا تتخلف عنه الهداية البتة ، قال تعالى في هذه المرتبة : ( إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل ) النحل 37، وقال ) جهنم يصلونها فبئس المهاد ) ص 56، فالبيان الأول شرط ،وهذا موجب .
المرتبة الثالثة : مرتبة الإسماع ، قال الله تعالى : ( ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ، ولو أسمعهملتولوا وهم معرضون ) الأنفال 23، وقال تعالى : ( ومايستوي الأعمى والبصير ، ولا الظلمات ولا النور ، ولا الظل ولا الحرور ، وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور ، إن أنت إلا نذير ) الأيات من 19ـ 23 فاطر ، وهذا الإسماع أخص من إسماع الحجة والتبليغ ، فإن ذلك حاصل لهم ، وبه قامت الحجة عليهم ، لكن ذاك إسماع الآذان ، وهذا إسماع القلوب ، فإن الكلام له لفظ معنى ، وله نسبة إلى الأذن والقلب وتعلق بهما . فسماع لفظه الأذن ، فسماع حقيقة معناه ومقصوده ، حظ القلب ، فإنه سبحانه نفى عن الكفار سماع المقصود والمراد الذي هو حظ القلب ، وأثبت لهم سماع الألفاظ الذي هو حظ الأذن في قوله : ( ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا الستمعوه وهم يلعبون ، لا هية قلوبهم ) الأنبياء 2، 3، ، وهذاالسماع لا يفيد السامع إلا قيام الحجة عليه ، أو تمكنه منها . وأما مقصود السماع وثمرته ، الملوب منه ، فلا يحصل مع لهو القلب وغفلته وإعراضه ، بل يخرجالسامع قائلا للحاضر معه ( ماذاقال آنفا، إولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم ) محمد 16..
المرجع الأصلي تحقيق عبد المنعم صالح العزي ص 38













