سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك

 

هذه نافذتي

تحدثوا حتى أعرفكم  !

حق القراءة التعليق  


من وحي الكلمات

الأخلاق في الدين والفلسفة

كتبهارياض أبو خندج ، في 31 مايو 2009 الساعة: 15:51 م

 

 

بدون أدنى شك :
 المبادئ والقوانين الأخلاقية ليست ترفا عقليا ، وإنما هي قواعد للعمل عند من يتمثلها ، فهي روح الفكر ونتاجه والترجمة العملية للعقيدة التي يتمسك بها الإنسان أيا كانت…
فالأخلاق تستند إلى أصول أولى عند المسلمين لأنها موضوع اعتقاد أو إيمان ، ولا يتسنى قيام أخلاق بدون إيمان ، فالإيمان يجب أن يسبق العمل ، واليقين أساس طمأنينة النفس قبل أن تحدد لنفسها السلوك …
وإذا كانت  الأخلاق سلوك يمارسه الإنسان  فإن هذا  السلوك لا يصدر  إلا عن اعتقاد ، فالإيمان القلبي هو الذي يحرك الإرادة ، والإرادة تحرك السلوك ، وأصول الاعتقاد عند مفكري الإسلام ، على اختلاف مذاهبهم ـ تسبق العمل سبقا زمنيا وعقليا ، إذ كيف تمارس العبادات دون أن يسبقها إيمان ،
وفي العلوم الإنسانية للأخلاق ،  خارج الإطار الديني أو الوحي الإلهي فإننا نأخذ ( عمانويل كانط ) كمثال محدث : فهو يستبعد أن تقوم الأخلاق على الخبرة الإنسانية المحدودة الضيقة ، فاستناد القوانين الأخلاقية إلى الواقع يفقدها أصالتها ونقاوتها ، وذلك أن مبادئ الأخلاق لا تستقى من الطبيعة البشرية المكونة من المشاعر والدوافع والميول ، لأن هذه تفسد الأخلاق في نظره ،  كما أنه ( عمانؤيل كانط ): أثبت ضرورة التسليم بوجود الله وحرية الإرادة وخلود النفس لإمكان قيام الأخلاق ، وهو في الحقيقة ، يرى أن هذه المسلمات هي المعول عليها ليس لأنها حقائق بذاتها  ، بل ضرورية فقط لكي تستقيم الأخلاق !!
  ويفسر ذلك بقوله  : يمكننا أن نسلك كما لو كان يوجد إله ، وكما لو كنا خالدين طالما أن هذا الاعتقاد يهيئ للمعتقدين حياة خلقية فاضلة ودينية ناجحة ، فالاعتقاد صادق بقدر ما يدفع على ذلك ..إنها روشتة دواء وأجندة عمل يتوجه بها إلى الناس كطبيب مشخص ! هذا البئيس !
 
 
 
 
 …. وقد كان هناك فلاسفة قد عاشوا مبادئهم ( كسقراط والكلبيين والرواقيين )  ، فكانت حياتهم متسقة تماما مع فلسفتهم النظرية ، وهو تمثل يعبر عن إيمانهم العميق بما وصلوا إليه من مبادئ ، وأنها ليست مجرد شعارات فارغة أو نصائح مجانية كما فعل كانط  وكما يفعل الكثير من السذج في عصرنا ، حيث الانفصال التام عن المباديء في الحياة الخاصة ، أو استخدامه لهذه المباديء كمعابر للتسلق والتملق وميكافيلية ممقوته ..
ويتساءل ( أرسطو) عما إذا كان النسق الضروري للفلسفة الأخلاقية في الصدور عن المبادئ أو في الصعود إليها ؟ بمعنى هل نستخلص مبادئنا وننتشلها من الواقع ، أم نصعد إليها لتنتشلنا هي من واقعنا ؟!
 ويجيب على ذلك أنه يجب الابتداء بالوقائع المشاهدة الواضحة ، لأن المبدأ الحق في كل الموضوعات ـ في نظره ـ إنما هو الواقع ، فهو يستبعد صدور الأخلاق عن مبادئ أو عقائد أو على الأصح عن ميتافيزيقيا ( أمر غيبي )  ،
  ومنذ أن استبعد (أرسطو)  كل أساس ميتافيزيفي ( غيبي )  للفلسفة الأخلاقية ، أصبح ذلك النسق مسلما به لدى معظم فلاسفة الأخلاق من بعده حتى عصر كانط …
 لكن ( أفلاطون ) يعارضه تماما في هذا  : بنظرية ( المثل ) ، حيث كان الإنسان ( المثال ) في أبهى حلله وفي كمال أخلاقه ، ثم لما نزل إلى الواقع تدنس برزاياه وآثامه وعراكه للحياة الفانية ، ثم يقول : إن إنكار هذا الوجود للمثل  أو إنكار عنايته بالعالم يؤدي في نظره إلى فساد السيرة والإخلال بالنظام الاجتماعي ،
وعلى العموم ، فإن الفلسفة الوضعية في دراستها للأخلاق والتي تسيطر على العالم والمتمثلة في الدول الغربية على وجه الخصوص ـ تتجه اتجاها واقعيا ، والاتجاه الواقعي في الفلسفة ، يراد به :رؤية الأشياء كما هي عليه في محيطها الأصل لا كما يجب أن تكون عليه  ، والتعامل بما يناسبها ، ومن معاني الواقعية أيضا : الإحساس بالواقع والتقيد به ، والنظر إليه على أنه المثل الأعلى والغاية الأسمى ، ومن هذا المعنى تنطلق الفلسفة الوضعية في نظرتها للأخلاق ، حيث تعتبر الأخلاق  ظاهرة من الظواهر الاجتماعية التي يولدها الاجتماع البشري ، ومن شأنها أن تفرض نفسها على الأفراد ، فتؤثر فيهم وتوجه سلوكهم دون أن تتأثر بهم ..
أما في الإسلام : فمضمون الواقعية هو مراعاة الفطرة  الإنسانية وقدراتها ومواهبها وملاحظة ما يحيط بالإنسان من ظروف وأوضاع وملابسات ..
 
                 
 
يقول ابن تيمية ـ رحمه الله ـ  عن الفكر الخلقي عند الفلاسفة : ( فيه إصلاح الخلق والمنزل والمدينة ، وفيه منفعة صلاح الدنيا وعمارتها ، وفيه قول الحق وإتباع الأمر بالعدل والنهي عن الفساد ، ما هو داخل في ضمن ما جاء به الرسل صلوات الله وسلامه عليهم )، ويقول ابن القيم عن الفكر الخلقي الوضعي أيضا  : ولكن لا يكفي لقصوره عن بيان مجالات الفضيلة وحدودها وضوابطها ، ففي تعريف أرسطو عن خلق الغضب ( أنه ليس من السهل أن نعين بالضبط سلفا وضد من ولأي سبب ولأي مدة من الزمن ينبغي للإنسان أن يغضب ..) ،
وكذلك ابن مسكويه حذا حذو الفلاسفة حين عرف الشجاعة في المعنى العام المطلق حين قال : ( الشجاعة هي الإقدام كما يجب ، وبحيث يجب وبالمقدار الذي يجب ، وعلى من يجب )
والسخاء : ( إنفاق الأموال فيما ينبغي ، على مقدار ماينبغي ) هكذا ، والعفة : ( الوقوف في شهوات النفس ، ما ينبغي ، وبالقدر الذي ينبغي )، وهكذا يأتي تعريفهم في كافة الفضائل دون أن تبيان  لحدود ذلك وضوابطه .
وابن القيم ـ رحمه الله ـ كان موقفه بشكل خاص رافضا للفلسفة اليونانية ، وما جاءت به وذلك لقصورها عن بيان تفاصيل الفضيلة الخلقية وحدودها ، وبالمقابل كمال عناية الشريعة بهذا الجانب وتمام بنيانها له .  ولكن في منهجه العام كان لا يرى بأسا من  الاستفادة من كل من لديه فكر صائب وعلم نافع  مالم يتعارض مع الشرع الحنيف .. 
 
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات فلســـــــــــــــــــفية | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول