سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك

 

هذه نافذتي

تحدثوا حتى أعرفكم  !

 


من وحي الكلمات

العالِم والفيلسوف 2

كتبهارياض أبو خندج ، في 27 يونيو 2009 الساعة: 15:27 م

 

 
ـ كنت قد بينت في الورقة السابقة ، أن العالِم ـ بالمعنى الاصطلاحي : يبحث في ظواهر الطبيعة ، وأسبابها ، والعلل القريبة ، دون أن يتكلف عناء التفكير في أصلها وكنهها ، فهو يهدف إلى تسخير الظواهر الطبيعية للنفع الإنساني  ،
 أما الفيلسوف فإنه يحاول معرفة العلل الأولية التي تكونت منها الأشياء ، وكيف صار العالَم على ما هو عليه ، بهدف الحصول على الحكمة ، التي هي جماع كل شيء …
 ولما كان الأمر كذلك كان هناك عدة اتجاهات استوجب أن يبحث فيها الفيلسوف ، منها : أصل الوجود ، سبل المعرفة ، القيم ، ثم توسعت المجالات في وقت لاحق إلى البحث في أسس الجمال ، التاريخ … الخ  
ومن البحث في الكون وعلته تكونت ( فلسفة الوجود ) ، ومن البحث في العقل وكنهه وقدرته تكونت ( فلسفة المعرفة ) ومن منظورنا للخير والجمال والحق والعدل تكونت ( فلسفة القيم ) … وهكذا ..
ـ فمبحث الوجود يتناول طبيعة الموجود ، وحقيقته ، وأصله ، وعلته ، أي المخلوق والخالق …
ومبحث المعرفة يتناول كيفية حصول المعرفة  ، ووسائلها ، ومبلغها من الصحة …
 
ومعظم الأسئلة التي تدور في رؤوس بعض الناس والتي تدفع أحيانا إلى الحيرة والشك ، تكاد تنحصر في المبحثين السابقين ..( فلسفة الوجود ) و( فلسفة المعرفة )
 ولعله من الأسلم القول بأن مبحث المعرفة له أن يسبق كل مجالات الفلسفة ، لأنه يخدمها .. وتأتي المسألة ( الميتافيزيقية ) ـ ماوراء الظواهر ـ والتي كانت هي أكثر جدلا ، تأتي في قمة هرم انشغالات الناس ، وهذه المسألة ـ ( الميتافيزيقيا ) ـ لا يمكن دراستها إلا على ضوء ( مبحث المعرفة ) .. فنحن عندما ندرس طرق المعرفة ووسائلها ، ونقف على صدق هذه الوسائل وقدرتها على إدراك اليقين وتمييزه عن  الكذب وعن المشكوك فيه ، نكون متيقنين من  الحق الذي وصلنا إليه ،  فالعقول تساق بقوة الحجة ورجاحتها أو أرجحيتها ..
 
                                    
غير أنه مع ذلك يؤخذ على الفيلسوف تجاوز بعض الأسس التي تحكم المعرفة الإنسانية ، والهيام في وجدانياته وذوقه الخاص مما يجعل بحثه يناهض أسس المعرفة ولذلك يحكم عليه بالفشل عند من يقدرون هذه الأسس ويعملون في إطارها  ،غير أن بعض العامة ممن يجهلون هذه الأسس المعرفية ، يقعون ضحية الثقة الزائدة والوثوق بالفيلسوف دون تمحيص ، بينما هذا الفيلسوف المتحذلق يحاول أن يفرض ما يجد له من رؤى ، وكأنها مسلمة لا تنتقض ، وهذا ما يجعله يطبع  نظرياته وفروضه بطابع وثوقي ، وكأنه يقول الحق ليس كذا بل كذا وحسب ، وهذا الأسلوب في الطرح أسلوب غير نزيه ولا يعتد به علميا ، فهو  يجعل المتلقي مسلوب العزم ، معطل للبصيرة، متملقا لرأي الفيلسوف ، متبنيا لرؤيته ، خاصة وأنه لا يملك من أدوات الحجاج التي اعتاد عليها الفلاسفة ، ما يفند به رأيهم ، ويسحق به وثوقيتهم .. والفيلسوف الحق  حين يتبنى قضية معينة ، يكون مدركا لخصومه ، وهم الفلاسفة السابقين أو المعاصرين له ،  فإنه يحاول بكل جهده أن يغلق كل منفذ يمكن أن يدخل منه الرأي المعارض فينال من تماسك قضيته ، وبذلك يحكم القبض على القضية ، ويكون المتلقي العادي ، أو جمهور العامة ، عاجزين ومستسلمين لهذه القضية التي لا سبيل إلى نقضها ، وليس أمامهم إلا خيارين ، إما التسليم بها وقبولها كحقيقة لا تقبل الجدل ، وإما الوقوف في وجهها ومقارعة الحجة بالحجة … وهذا مالا يستطيعه العامة من الناس .. ولذلك يخضع  لهذه الحجج والأراجيح الفلسفية … بينما يشتد عصف الفلاسفة بمحدودي القدرات وبسطحيي التفكير وبالعامة من الناس … ولا سبيل  للعامة سوى التوجه لعلمائهم الذين ينقذونهم من هذه التأزمات الفكرية ، كما حدث في عصور الإسلام الأولى عندما تصدى علماء العقيدة والمذاهب لكثير من الفلسفات الوافدة  واستطاعوا إجلاءها والحفاظ على  صفاء العقيدة ونقائها  .  وسأوضح بإذن الله في الموضوع القادم ، كيف تدرجت الفلاسفة في فهم العالم بطريقتهم المعهودة ،  حسب ما يظهر لي . والله أعلم  
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات فلســـــــــــــــــــفية | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول