سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك

 

هذه نافذتي

تحدثوا حتى أعرفكم  !

 


من وحي الكلمات

العالم والفيلسوف 3

كتبهارياض أبو خندج ، في 28 يونيو 2009 الساعة: 15:19 م

 

 
 ـ  في محاولة مني لحذف بعض الصيغ التي استخدمها الفلاسفة في تأطير نظرياتهم ، والتي أعتبرها صيغ غير أخلاقية ، لأنها وإن كانت تعكس قوة وثوقية الفيلسوف واعتزازه برأيه ، إلا أنها في نفس الوقت ، تعمل على استغلال المتلقي العادي ،غير الناقد لهذه الأسس الفلسفية،ليقع ضحية تلك التأكيدات المفرطة من الفلاسفة ،  وهذه التأكيدات تخدم  رؤى أو افتراضات لم تثبت يقينا ، فالفيلسوف يقول أن هذا الشيء نتيجة لهذا الشيء ، أو أن علة كذا هي كذا وكذا  وحسب ، فهو لظروف نفسية معينة ، لا يحاول أن يظهر بروح العالم المتواضع الذي يعترف بعجزه ، فنحن لا نكاد نلمس في النهاية عند الفيلسوف كلمات من مثل ( أعتقد أو أظن ، أو في رأيي ، أو ربما ، أو قد يكون … وهكذا )  وأرجع ذلك إلى الروح التنافسية التي تشاع بين الأقران من الفلاسفة حيث تمنعهم  من هذه الاستدراكات ، ولأنه هذا الفيلسوف قد يرى أن له السبق والريادة في علمه ، فلذلك يرى أن بعض التواضع في توضيح الحقائق التي توصل إليها ، ينال من إرادته وقدرته ووثوقه بما عنده من علم …. ولهذا فهو يفتن الناس العاديين والجمهور الغير ناقد بهذه الأساليب التوكيدية المتعالية ….
 
فأقول :
 أن الفلسفة  مازالت في جوهرها عبارة عن البحث عن حقيقة الأشياء ، كيف تكونت وكيف صارت إلى ما هي عليه ، وعدت هي الطريق الأوحد في غياب الوحي والرسل والرسالات أو بمعنى آخر في غياب الهدي الإلهي الرسالي ، فهي علم بشري ، فالإنسان بطبيعته يبحث عن الحقيقة التي قد يهتدي إليها ، أو قد يقترب منها ، وقد  يعجز ،  وقد يضل الطريق ، وهذا يتضح من خلال الومضات النورانية التي تظهر في بعض آراء الفلاسفة  ، وسط الظلمة الحالكة والغموض والتناقض والشك والسفسطة التي كانوا يعيشون في وسطها … كما في الظروف التي نشأت فيها الفلسفة الأولى ، أوالفلسفة القديمة  ..
فهذا ، طاليس :
 يبدأ بما يسمى العقدة الكاذبة ، وهذه العقدة لا زمت عقول كثير من الفلاسفة والبشر العاديين ، فهو يرى :
( أن العالم لا يمكن أن يكون مخلوقا من العدم المحض ) .. وتعليل ذلك ، أن كل خلق هو جديد ، وكل جديد له بداية ، وأن كل بداية ليست في الحقيقة سوى تغير عن شيء سابق ، وكل تغير لا بد له من قديم تغير عنه إلى جديد ، ولذلك فإن العدم المحض لا يمكن أن ينشأ منه وجود لأنه عدم .. فيجب إذن ، افتراض مادة أولى أزلية نشأت عنها الموجودات وتوالدت ، وافترض هذه المادة هي ( الماء ) …. فهو يقول باختصار :
أن العالم كان ماء ولم يكن عدما ، فالماء تنشأ عنه موجودات  ، لكن لو افترضنا أن العالم كان عدما ثم نشأ منه الماء ، لوجب علينا اعتقاد أن العدم ( اللاشيء ) ينشأ منه شيء ـ وهذا لا تصدقه عقولنا ولا نتفق عليه ـ ) … أما سبب اختياره للماء فهو أنه بحث في الموجودات عن مادة لها قابلية التغير والتشكل ، فرأى أن الماء يكون مائعا ، ويصبح تارة ثلجا كثيفا ، ثم يصبح بخارا لطيفا ، ثم يرجع ماء كحالته السابقة ـ فرأى أن هذه الخواص للماء صالحة لأن تكون أصل الموجودات !
     فالحكمة التي توصل إليها هي ( أن العدم لا يخلق ….)  
وأما الآخر الذي أتى بعده  فهو ، انكسيمنس
فهو يتفق مع رأي طاليس في المقدمة ، (أن العدم لا يخلق شيئا ) ،  ولكنه يختلف معه فقط في اختيار المادة التي خلق منها العالم ، فهو يقول أن أصل العالم ومادته الأزلية ، هي الهواء ـ وسبب اختياره أن للهواء مرونة أكثر ، وقابلية للتحول ، فإذا برد يتحول إلى ماء ، ويسخن فيصير بخارا ، ثم يتخلخل فيرجع هواء ، وإن تكثف صار سحابا ، ثم ينقلب ثلجا ، حتى زعم أنه يمكن مع مرور الزمن أن ينقلب أحجارا ، ويكون شموسا ، وأقمارا . … ولذلك اعتبره أصلا للعالم …
ثم جاء : انكسيمندر : واتفق معهما  في المقدمة ، ( أن العدم لا يخلق شيئا )  لكنه خالفهما في المادة التي يعتبرانها أصل العالم ومادته الأصلية ، وذلك بقوله :
 أن الماء والهواء لا يمكن أن يكونا أصل العالم ومادته ، فللماء صفاته التي يمتاز بها ، وللهواء صفاته التي يمتاز بها ، والموجودات الأخرى لها صفات مختلفة ، فلا يمكن أن تكون كل الكائنات وهي مختلفة الصفات ناشئة عن أصل يختلف عنها بصفاته ، فمثلا كيف نشأ من الهواء الشجرة ، والحيوان ، والجمادات الأخرى ، وهي مختلفة في صفاتها عن الهواء الذي نعتبره أصلا لكل شيء …؟
 ولذلك فقد اضطره عقله إلى الافتراض  بأن أصل الكائنات (مادة لا شكل لها ولا نهاية ولا حدود )
ونحن إذا دققنا النظر في افتراضه هذا ، نرى أنه قد خرج بفكرته عن المألوف ، فلم يعد ما يبحث عنه الفلاسفة مادة أولى نشأ منها العالم ، بل مادة ثم زيادة على المادة .. وفي تفسيره هذا  أنه لا شكل لها لأنه لو كان لها شكل لأخذ المتغير عنها شكلها وبعض صفاتها ،   والموجود متعدد الأشكال والصور ، وأما أنه لا نهاية لها ولا حدود فيقصد بذلك  أنها أزلية ، ـ ومع تفكير انكسيمندر العميق الذي توصل إلى هذه الفكرة ( مادة لا شكل لها ولا نهاية ولا حدود ) إلا أنه وقع في شرك المادة … حيث يقول مادة لا شكل لها … فكيف تكون مادة وفي نفس الوقت بدون شكل أو نهاية ! وهذه ليست سطحية في التفكير عند انكسيمندر ، ولكن المنهج الذي يسير فيه هؤلاء الفلاسفة يقودهم إلى الخروج من عالم الموجودات أو عالم الظواهر والمواد ، إلى ما وراء الظواهر !  وهو عالم غير متخيل ماديا ، ولكنه متخيل عقلا ، وسنرى ذلك فيما بعد عن( فيثاغور ) …
ثم أتي ، فيثاغور :
  لم يعجبه افتراض  فكرة وجود مادة أزلية نشأ منها العالم ، لكنه اقترب من التطور الذي وصل إليه انكسميندر ، ( مادة لا شكل لها ولا نهاية ولا حدود ) فذهب يبحث عن شيء له صفات عامة ، تشترك فيها الماديات وغير الماديات ، ودله تفكيره على ( العدد) …
فقال كل الأشياء في الكون تشترك في شيء واحد ، وهو العدد ، فنحن لا يمكن أن نتصور شيء غير قابل للعد ، ولذلك فأصل الكون هو العدد .. والأعداد عبارة عن تكرار ( الواحد) إذن فالواحد هو أصل الكون وعلته وحقيقته ..! وهذه هي فكرة فيثاغور ، لكن أليس   العدد هو فكرة ذهنية مجرده ذات نزعة تجريدية ؟ لماذا لم يقل بهذا ؟ …. لماذا لم يقل بأن الكون تولد من فكرة ؟ ـ لأن الفكرة تستلزم أن يسبقها مفكر ، وهذا يستتبع بالتالي البحث في صفات المفكر ، ولكن هذا كله كان خارج نطاق بحثهم …
ثم بعد ذلك يأتي ، بارميندس  الذي بحث في صفات الشيء وليس الشيء في ذاته ، ليقول:
أن الماء والهواء والعدد ، أو أي شيء آخر لا يمكن أن تكون أصلا للأشياء ، ولكنها موجودات ، ولذلك يجمعها صفة ( الوجود ) …فالوجود هو أصل كل شيء ومنبعه .. ( وانظر معي كيف ذهب بل ترقى في فكره ليثبت وجود الشيء من صفاته ! ) وذهب أيضا يصف الوجود هذا فيقول إنه وجود أزلي ، ولا يتغير ، ولا يفنى ، وليس له ماض ولا مستقبل ، ولا يتحرك ، ولا يتجزأ .. لأن التحرك هو صورة للتغير ، وهو كامل ، وليس وراءه وجود آخر .. لأنه لو كان وراءه وجود آخر لكان هذا موجودا وليس وجودا !
وجاء بعده تلميذه : مليسوس ، فزاد على رأي أستاذه أن هذا الوجود ، غير متناه ، أبدي ، وأنه ( حياة عاقلة ) ومن شروحاته :
 أن كل حادث لابد له من مبدأ ، وليس الوجود حادثا ، لأنه لو كان حادثا لكان من اللاوجود ، فالوجود إذا ليس له مبدأ وماليس له مبدأ ليس له نهاية .. وبما أنه غير متناه فإنه لا يتحرك لأنه لا يوجد مكان بعده يتحرك فيه ، وهو غير متغير ، لأنه لو تغير لأصبح أكثر من واحد ، فهو واحد ، أزلي ، أبدي ، حي ، عاقل ، لا يتغير …..!
 وجاء هرقليط ، وقد تنكس في الرأي وعاد به إلى الوراء ، وهكذا فكر الإنسان قد يزل بسهولة ، فقال بأن أصل الموجودات نار ، تحولت إلى هواء ، ثم إلى ماء ، والماء يبس ، ثم يعود اليابس ماء ، وهواء ، فنار …. وهكذا ، لكنه سرعان ما تنبه ورجع عن قوله ، ليقول:
 بأن الأشياء لا تستقر على حالة واحدة ، لحظة واحدة ، وأن هذا الاستقرار الذي نشاهده في الأشياء ، هو وهم ، راجع إلى عجزنا عن رؤية التغيير ،
فهذا اعتراف بشيئين ، أولهما هو  هناك وجود دائم للأشياء ولكنه في تحول دائم ، ثانيا وهو الأهم ، إظهار عجز الإنسان عن معرفة كنه الأشياء ، ولذلك يقول بأن أصل الأشياء تكونت من شيء واحد ، ويكون هذا الواحد موجود وغير موجود في آن واحد ..
 
 
  
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات فلســـــــــــــــــــفية | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول