الفيلسوف والعالم 5
كتبهارياض أبو خندج ، في 1 يوليو 2009 الساعة: 11:59 ص
الفيلسوف والعالم 5
إن يكن للسفسطة من حسنة فهي أنها أوجدت ردة فعل قوية لدى ( سقراط ) الذي يعتبر مؤسس وباني فلسفة المعرفة ، التي لا تزال مسيطرة على العقول منذ أكثر من ألفي سنة إلى اليوم الذي نحن فيه … فوضع قواعد المعرفة على أساس العقل ، ووطد دعائم الفضيلة في صدور الناس ، فالسفسطائية بدجلهم أنكروا المعرفة والحق والعدل وفضائل الأخلاق ، وقد ردوا أصول المعرفة كلها إلى الإحساس ، وأن ما يحسه الإنسان هو صحيح بالنسبة إليه لا لغيره ، أي ليس هناك من سبيل ليكون الناس كلهم متفقين على أن شيء ما هو صحيح بمقياس يجمع على صحته أكثر البشر ، أو بمعنى آخر ليس هناك من حقيقة يمكن معرفتها بغير الحواس ، فهذه التفاحة عندي أنها مرة المذاق ، وعندك حلوة المذاق ، فإذن ليس هناك من حد نتفق عليه وليس هناك من قاطع أو مشترك بيني وبينك نحتكم إليه ….
المعرفة التي نريدها هي أن لا تكون مبنية على الحواس ، لأن الحواس تختلف باختلاف الأفراد والظروف والأحوال ، ونحن إذا تلمسنا كيف نتبنى معرفة ما ، فنجد أن جزءا منها يأتي عن طريق الحواس ، وجزء آخر لا يأتي عن طريق الحواس ، ومثل لذلك مثلا معنى ( النوع ) ، فهو إدراك عقلي ، حيث يقوم العمل العقلي بجمع الصفات التي يشترك بها كل أفراد النوع ، وطرح الصفات العارضة التي تظهر في بعض أفراده ، فقال إن هذا إدراك لشيء لا يحس ، ولا وجود له في الخارج ،(أي أن العمليات التي تجريها عقولنا من حذف وترتيب وجمع الصفات ومقابلة المعلومات ، أي العمليات التي يتم بها التفكير ، ولا يرتاب عاقل في كونه من عمل العقل وحده ) وهذا الإدراك العقلي ، هو الذي يجب أن تؤسس عليه المعرفة ، فإذا كانت المعرفة الحسية تختلف باختلاف الأفراد والظروف والأحوال والأوضاع ، فإن العقل ، الذي هو عام ومشترك بين الناس لا يختلف ما دام سليما ، لأنه يقوم بالعملية ذاتها وبنفس الطريقة .. ونحن بهذه الإدراكات العقلية الكلية نستطيع أن نضع لكل شيء حدا وتعريفا ، ونستطيع أن نضع مقاييس صحيحة ثابتة للحقائق ، ونعرف الفضيلة من الرذيلة ..
( والحقيقة أن معارفنا كلها مبنية عن طريق الحواس التي هي بمثابة جامع للمعلومات ، أما دور العقل فهو المقابلة وغربلة المعلومات وتنقيحها … ثم الحكم بما يترجح عنده… فالحواس لا تحكم ولا تعرف بذاتها وإنما مهمتها تتوقف عند إدخال المعلومات ) وهذا ما عناه سقراط .. هي أن إدراكنا للحقيقة يجب أن يبنى على النتائج التي يصل إليها العقل بعملياته ، وأن النتائج العقلية أو الأحكام العقلية إذا ما كانت خاطئة فهذا الخطأ لا يرجع للعمليات العقلية ذاتها ، وإنما للإحساسات الخارجية التي قد تزودت العقل بمعلومات خاطئة فتضلله …
وجاء بعد سقراط ، تلميذه ( أفلاطون ) الشهير ، فأيد نظرية المعرفة ، فهو يقول : المعاني الكلية ليست مما يمكن إدراكه بالحواس ، وإنما يمكن إدراكها بالعقل وحده ، فالجمال والقبح مثلا ، هما معنيان ندركهما في أشياء كثيرة مختلفة في مظاهرها وأشكالها ، فمن الذي عرفنا أن هذه الأشياء تشترك في الجمال ، وهذه تشترك في القبح ، لا ليست حواسنا المدركة لهذا الاشتراك ، بل هي عقولنا ، التي من عملها المقابلة والمقارنة بين الأشياء المشتركة فتدرك أن فيها جمالاـ لكن يقع أفلاطون ـ في سؤال صعب … فهو يقول : لكي تقدر عقولنا على المقابلة والمقارنة في أمور مثل الجمال والقبح ، لا بد أن تكون لديها فكرة أصيلة سابقة عن الجمال والقبح ، فنحن مثلا لا نستطيع أن نقول أن هذا جميل دون أن يكون لدينا مثال نقيس على ضوئه الجمال، وإلا أصبحت المسألة نسبية ، وعودة إلى السفسطة ذاتها التي تدعي أن لدى كل إنسان مقياس خاص للجمال ، ولهذا قام باختراع نظرية ( المثل ) وهي : أن النفوس كانت تعيش في قمة كمالها ومعرفتها للأشياء ، أي أنها كانت تعيش واقع مثالي ، جمال ، خير ، عدل ، حب … الخ ، وهذا كله كان قبل أن تتلبس النفوس بالجسم البشري المادي الذي انتقص من مثاليتها وانحدر بها الى الأسفل لما عادت إليه ، ونسيت العالم المثالي التي كانت تعيش فيه ، لكن لا تزال لديها فكرة بعض الشيء عن المثاليات ، ومن هذه الفكرة التي لديها تستطيع أن تحكم على الأشياء ، و أن هذا الجمال الذي تراه أدى إلى تذكرها للجمال الذي كانت تعيشه في عالم المثل فحكمت عليه بأنه جميل ، وبهذا رأي أفلاطون أنه يسد الثغرة التي يمكن أن تتسلل منها السفسطة …
لكن الحقيقة أن نظرية المثل هذه هي افتراضية فحسب ، وخروج عن المنهج العلمي ، وأن المقياس الصحيح للجمال يصل إليه العقل بالمقابلة والمقارنة بين الأشياء والخبرات التي يكتنزها ، دون الحاجة لاكتسابها من عالم مثالي ، فعالم الإنسان المثالي هو بناء عقلي لكل إنسان مما لديه من خبرات ومعلومات وآمال يقابل ويقارن ويوفق بينها …
والناس متفقون على أشياء معينة أنها جميلة وأشياء أخرى أنها قبيحة ، لأن لديهم أهواء وميول ورغبات وطبائع متقاربة ، ولذلك تتشابه أحكامهم على كثير من الأشياء ، كما تتفق آراؤهم عليها … والقبح والجمال من هذه الأشياء التي يشتركون في أحكامهم عليها في الغالب الأعم ….
ومع ذلك فإن العقول السليمة الباحثة عن الحق ، تصل بإذن الله ، كيف لا والعقل حجة على صاحبه ، ويعتبر أفلاطون مثال لأولئك الباحثين عن الحق الذين اهتدوا إليه بعقولهم ، فهو من أول الفلاسفة القائلين بوجود الله ، الخالق للعالم والمدبر لأمره ، ويقيم على ذلك براهين أهمها ( برهان النظام ) فيقول :
إن العالم آية في الجمال والنظام ، ولا يمكن أبدا أن يكون هذا نتيجة علل اتفاقية ، بل هو صنع عاقل ، كامل ، توخى الخير ، ورتب كل شيء عن قصد وحكمة …….
وهذا بالطبع يصل إليه انسان استغرق في التفكير عمرا طويلا … ولكن افلاطون كغيره تعترض عقله العقدة التي تعترض عقولنا كلنا فلا نستطيع تصور الخلق من العدم … فيذهب في ذلك مذاهب شتى … ليرجع ويقول أن الذي يوجد الأشياء بعد أن كانت عدما … هو الله !
وفي المقال القادم بإذن الله سأحاول مناقشة العقدة التي تعترض عقولنا فلا نستطيع تصور الخلق من العدم …. هذا والله أعلم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات فلســـــــــــــــــــفية | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























