سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك

 

هذه نافذتي

تحدثوا حتى أعرفكم  !

حق القراءة التعليق  


من وحي الكلمات

الباحة ، وذكريات مؤلمة !

كتبهارياض أبو خندج ، في 19 أكتوبر 2009 الساعة: 18:57 م

 

  
لعل أسوأ تقدير يقع فيه الإنسان ، حين يجعل من نفسه محوريدور عليه قطب الرحى ، فيختزل العالم في شخصه هو  ، بهذا المفهوم قدم لنا نفسه المحاضر( المتجهم ) في أعلى مؤسسة تربوية في منطقة الباحة أنذاك !
لم أكن أعرف سر هذا التحامل الفض ، من ذلك المحاضر (المتجهم) علينا نحن المعسكر القديم من المعلمين ( الدارسين ) وقد أجبرتنا الظروف وزمان العجايب الذي تساءل عنه أيضا أبو فيصل بقوله : وش بقي ما ظهر ؟!  لأن نجلس بين يدي مثل ذلك المحاضر !
القصة مع هذا المحاضر (  المتجهم ) ـ هي أنه بدأ في أول حضور لي عنده في محاضرته ، باختلاس نظراته ثم بالنقد المتحيز اللاذع للمعلمين القدماء القلة الموجودين والذي  أنا واحد منهم ـ سمعته يقول في طرف من حديثه :   انظر إليهم أولئك المعلمين القدماء  بازدراء ، وتأفف كيف كانوا يضعون الغتر على طا بلونات ( الوانيتات ) ، ويحتفظون بدفاتر التحضير المغطاة بالغبار تحت المقاعد ، أما أكياس الفول والتميس فيقذفونها في الحوض ، وينطلقون بلا مبالاة ولا إحساس بالمسؤلية نحو الشعاب حيث مدارسهم التي يعملون بها …!
هذا ما ذكره المحاضر ( المتجهم  ) في محاضرته ، وتساءلت أثناء محاضرته هذه لماذا هذا التحامل على المعلمين القدماء أمثالي ،  ولماذا العقوق من هذا المحاضر وقد تتلمذ على يد أحدهم ؟ !
ثم أليست تلك المرحلة لها ظروفها الخاصة ؟!
ثم وأنت أيها المحاضر( المتجهم ) وقد حصلت على هذه الإجازة العلمية ، ألم تكن تعرف بأن التفاضل والتقييم بين المعلم في المرحة الحاضرة والمرحلة السابقة غير منصف ، لأن تقييم كل عصر لا بد أن يتم بأدوات العصر نفسه !
: أما نحن معشر المعلمين القدماء فكان المحظوظ منا من كان يملك ( وانيت ) وقد كان بعضنا لا يملك من وسائل المواصلات إلا البدائية كالحمير ثم بعد التطور الدبابات ذات العجلتين ، وفي هذا الوضع  حيث المسالك الوعرة والدروب المتعرجة التي كنا نسير فيها ، كان يصعب علينا التقييف الكامل وتثبيت مرزاب الغترة ورزة العقال ، وأما الفول والتميس فقد كان فالوذج عصرنا ووسيلتنا للحفاظ على حياتنا ـ فلماذا  تحرمها   بمثاليتك ، في ذلك الوقت  لم تكن تصطف المطاعم و ( الكافي شوبات ) في متعرجات تلك الطرق !
ثم أيها المحاضر المسدد ـ لا فض فوك ـ   ألا ترى كيف أن هذا التعصب الغير مبرر ،  أوقعك في إشكالية القديم ؟! فالقديم مسألة نسبية ، وأنت بهذا تنكص على  نفسك لأنك قديم بالنسبة للمتخرجين من بعدك ! فها هي محاضرتك تحولت إلى درس مجاني في العقوق ، فا الحقيقة أن الفضل للمعلم السابق الذي علمك حرفا ، وليس لك عليه  من فضل ، وقد ساهم المعلم القديم في التنمية والتطور وتجاوز كثير من العقبات والصعاب وتحمل المشاق .. فهل هكذا تتم مجازاته والوفاء له .؟ شكرا لك أيها الابن البار ، ويا لهذه المحاضرة السديدة !
 
أظن أنك أيها المحاضر( المتجهم ) ، كنت تحمل همومك معك ، وتفرغها علينا في ما يشبه المحاضرات ، وتتهكم علينا وكأننا مسؤلين عن مشاكلك الشخصية ، عن تعقد معاملاتك في البلدية أوبنك التسليف ،   كنت تحمل هم أكياس الأسمنت ، وغلاء وايت الماء ،  و مطالب عيالك وصراخ زوجتك وتبرمها بجلافتك على رأسك وتحول محاضراتك إلى متنفس لهذه الهموم ،   … لا بد أيها المحاضر (المتجهم ) أن تتعلم مهارة الفصل بين العمل والمعاناة الشخصية ….
 هذا ما حصل من انطباع عندي لهذا المحاضر لأول وهلة …
ثم وفي وقت لا حق من السنة التي تليها ، اضطررت لمراجعة هذا المحاضر (المتجهم ) ،   وقد خصم علي أسبوع كامل ، بسبب تغيبي فيه ، وهذا الأسبوع هو مخصص للحذف والتعديل كما هو معروف في كل الجامعات على مستوى المملكة ، لكن وبأسباب تعنت شخصي اتخذ قرار تغييبي ورفعه للإدارة للخصم ، وعندما حضرت إليه لتقصي الأسباب ومحاولة تبرير الغياب ـ ولأول مرة في حياتي وجدت شخصا لا سبيل إلى التفاهم معه ، شخص متجهم ، مغلق ، كشري ، قاطع لكل سبل التواصل ! ومع أنني قمت بمحاولات مستميتة لإسماعه صوتي ـ إلا أنه كان يبدي لي اشمئزازه مني أنا التافه في نظره ، ونفحني ـ كما قال نزار القباني ـ كذبابة عن عارضيه ! 
قلت في نفسي : يا للهول … من وضعك على هذا الكرسي ؟!
ثم في فترة أخرى، استجمعت قواي لأتقدم إليه باقتراح فوضت به من قبل  زملائي ، قلت له بكل أدب العبد الذليل المتبتل ! في مواجهة غطرسة السيد المستبد ! أستاذي الجليل ، نحن مجموعة من المنتسبين لمؤسستكم التعليمية المرموقة ، ونحن كثر و يوميا نصعد من منطقة تهامة ، فأقترح لو يتم تطبيقنا ( تدريبنا ) في مدارسنا حيث سكننا ، و بدوركم ترسلون لنا من يقوم بالمتابعة والتقييم كما هو متبع في بعض المناطق ـ قلت هذا الاقتراح وقد أضمرت النية في الهرب مع آخر كلمة أنطق بها ـ فأنا أعرف سلفا من خلال التعامل ردة الفعل القاسية !
وكما توقعت ، نزلت كلماتي كالصاعقة على رأسه … فزمجر وتمتم وأرعد وأزبد ، بينما تهت أنا في طريق الهرب بين مكاتب المحاضرين ،وضاع من قدمي  مخرج الطوارئ! 
وقال بعد أن تجرع مرارة الحنق مع آخر ( جغمة ) من قنينة كانت في يده : هل تتكفلون أيها التهاميين بتأمين ( هيليو كبتر ) يوميا لنقلي إلى تهامة ؟!!!
قلت في نفسي في : ( المسألة خربانة يعني خربانة .. وخليني أعطبها بالمرة ) : نعم حضرة المحاضر الفاضل ، نحن في الحقيقة تهم ـ نسبة إلى تهامة ـ و لسنا على مستوى تأمين ( هيليو كبتر ) ، ولكن عندنا حمير سائبة كان يستخدمها أسلافنا النّجّابة ( والنّجّابة ـ بتشديد النون والجيم ـ رجال كانوا في سابق العهد يقومون بنقل الرسائل بين التجار والمؤسسات الحكومية باستخدام الحمير المتعافية )  ، ويمكننا بكل أريحية أن نؤمن لك منها ما يفي بالغرض ويزيد ….. ! ثم انسحبت ولا أدري ما لذي حدث بعدي ، شيء واحد كنت متأكدا منه وهو فشل  المهمة التي أسندها لي زملائي ، وكان الاقتراح طبعا ، مرفوض مرفوض مرفوض ياولدي !!
ـ أثناء تطبيقي ( تدريبي ) في مدرسة قريبة ، حضر عندي هذا المحاضر ( المتجهم  ) مرة واحدة للمتابعة والتوجيه ، وكان غير ملتزم بأسلوب النقد والتقييم ، كان الأمر يدار إلى طريقة التشهير أقرب ، لأنه كان يقدم الانتقادات بحضور جمع من المعلمين الزملاء … مع أني خبرت التعليم وطرقه  منذ أن كان يمسح ( خشمه )  بكمّ ثوبه  !
ولأنه ـ هذا المحاضر ( المتجهم  ) ، انشغل بأمور أخرى في عمله ، أسند مهمة متابعتي إلى معلم متعاقد لتوجيهي ، وأظنه أعطاه فكرة مسبقة وسيئة عني ليحكم علي الخناق !
 أذكر من ذلك الطوق الذي حاصرني به المعلم المتعاقد الذي كلف بتوجيهيي في المدرسة أن قال لي : يجب أن تحضر كل مرجع متعلق بالآيات التي تقرأها ، كسير الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، وقصص الأقوام ،وكل ما يتعلق بالآيات … وفي إحدى الحصص كان الموضوع سورة ( الكهف) ، ولم أحضر المرجع من المكتبة ، فرفع صوته علي ـ هذا المعلم المتعاقد ـ بإزعاج ، وكأنه حصل على مراده : أين المراجع يا أستاذ ؟
ـ أي مراجع ؟
ـ قصة أصحاب الكهف ، موجودة في المكتبات …كان المفروض تحضرها يا أستاذ …
ـ لكن هذه روايات لا تثبت صحتها ، ياحضرة ..
ـ مين قال لك أنه لا تثبت صحتها ..؟ 
ـ يا حضرة …..، هدي روعك ، الذي أعرفه أنه نهي عن تقصي حقائق أهل الكهف شرعا ، وبنص الآيات ..( ولا تستفت فيهم منهم أحد أبدأ ) ..
ـ لا لا هذا عذرغير مقبول ..
ـ طيب ، ممكن تقول لي حضرتك كم عدد أصحاب الكهف ، ؟
ـ وهنا ، غير حضرته الموضوع ! وأوقف عني نزيف الانتقادات …..
انتهت تلك المرحلة التعليمية ، بكل مرارتها ، وحصلت على أسوأ تقدير أكاديمي …. في حياتي … ولذلك رفضت الحضور لا ستلام الوثيقة ثم أرسلت لي فيما بعد ….
وعلى كل كانت تلك المؤسسة التربوية التي انتسبت إليها ، بعيدة جدا عن إشاعة المناخ العلمي ، كانت أقرب إلى الكتاتيب منها إلى الجامعة أو الكلية ، حيث التعنت والارتجال في المواقف وهزال التعليم والتلقين والحفظ وشحن الذاكرة ، وكان مثلا معلم التاريخ يطالب بحرفية الإجابة ، فالمواد التي بني منها مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في عصرة هي القش والطين والسعف وهذا شيء لا يخفى  ، و إجابة مثل هذه لم تكن ترضيه .. أما  معلم التفسير : فبدلا من اتخاذ منهجية معينة وتحويل المحاضرة إلى درس علمي جاد ، كان يحول محاضرته إلى موعظة توجل منها القلوب  لا يفرق بين المحاضرة وبين خطبة الجمعة ، وأما  معلم مادة التحرير العربي ، فقد حاولت استثارته أثناء المحاضرة وقلت له : يا أستاذ ذكر في كتاب طوق الحمامة بأن الكتابة أيضا تزيد في الإثراء التعبيري ، من حيث أن الكاتب يمحو ويضيف ويستبدل الكلمات حتى تتكون له ملكة تعبير جيدة ، هذا ما ذكره ابن حزم في كتابه ، فرد علي هذا المحاضر بقوله : ما لناش دعوة بابن حزم ولا غيره ، التزم فقط بالمذكرة ، فالتعبير يعتمد على المخزون القراءة والاستماع فقط ولا غير … وقلت في نفسي يا خسارة الأوقات التي ضيعتها في هذه المؤسسة  ….!
ثم شاءت الظروف لأن أعود لمنطقة الباحة بعد أكثر من سنة من تخرجي ، وذلك لمراجعة دائرة حكومية ( وزارة الزراعة ) .. وكنت أتمنى أن يكون آخر شخص أصدفه في طريقي هو ذلك المحاضر ( المتجهم ) ، لكن كما يقول إخواننا المصريين في أمثالهم ( اللي يخاف من العفريت يطلع له ! ) ،  انحرفت بالونيت .. وركنته في مواقف السيارات .. تلفت يمينا ، فإذا العين بالعين ، يا للصدف !،  إنه هو ذلك المحاضر ( المتجهم  ) ، المتمركز حول ذاته ! في كامل زيه وقيافته ، يجلس خلف مقود ( جي أم سي ) أحدث موديل ، نظر إلي من علوه ، أنا هذا التهامي التافه ـ في نظره ـ   الهزيل النحيل الذي ألهبته شمس تهامة وصبغت جلده بالسمرة … قلت في نفسي : ألا ليت شعري إلى متى هذه النظرات التي يرمقنا بها بعض أهل السراة ، وقد كانت تهامة ولا تزال أرض علم ورجال و جود وكرم وحسن ضيافة و سلة غذاء للجياع ، ـ ولن أزيد على هذا ـ  .. لأنه يظل بيننا وبينهم شراكة ورحم ومسيرة تاريخ ، وأهل مكة أدرى بشعابها ..!   
وعلى فكرة ، تقلد ذلك المحاضر ( المتجهم  ) .. وظيفة قيادة تلك المؤسسة التعليمية فيما بعد…..
هدوء ياشباب…  معجب دائما بقصيدة الشاعر : يازمان العجايب ؟!
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : متنوعــــــــــــــــــــة | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول