العاطفة بين الأسطورة والمنهج العلمي
كتبهارياض أبو خندج ، في 23 أكتوبر 2009 الساعة: 14:46 م
في أيام الصبا ، حين كنا نتسكع نحن الأتراب في أزقة محلتنا وجغرافية وجيوب المنطقة ، كنا نلمح بعض الصخور المهيبة ، وكان بعضها مبرزا بشكله الفني الجليل ، ولذلك اكتسبت بعض الحكايا الأسطورية ، فمثلا كنا نتهيب من جلال صخرة في طرف القرية لضخامة حجمها وشكلها المكور وملمسها الناعم ، وقد قيل لنا عنها فيما يشبه خبر الأولين ، أنها كانت إحدى نبل أبو زيد الهلالي ، الذي كان يبلغ مدى نبله مسافة كذا وكذا ، وهناك بعض الجبال والصخور المرتفعة جدا وقد نحتتها عوامل التعرية ، لكن أهل القرية ينقلون عمن سبقهم بأن هذه التجاويف التي تظهر على سطوح تلك الصخور الشاهقة هو أثر من آثار جلوس أبو زيد الهلالي عليها ، وهكذا نقلنا من الأثر المرئي لهذه المواد في الطبيعة إلى عالم الأفكار والحكايا حتى خيل لنا أن هذا الرجل أبو زيد الهلالي كان عملاقا بحيث قد تلامس هامته السحاب .. وحقيقة قصة الأفكار مع الإنسان أن الفكر دائما ما يبنى على شواهد وقرائن مادية ، هذه القرائن المادية هي التي تدفعنا لعملية التفكر ، لا يمكن مثلا أن نحصل على فكرة معينة ليس لها أصل مادي أو نفسي تنطلق منه ، وهذا الفيض من الأساطير التي تنسج وتروى والتي توارثناها كقصص أبي نواس وعنترة وغيرهم والتي يغلب عليها الخيال والصور البلاغية والتي تعبأ أحيانا بالأشعار والأرجوزات والسجع وخلافه ، تتداول هذه القصص والروايات وتنشر وتجد لها طريقا سهلا إلى قلوبنا قبل عقولنا ، ليس بسبب أننا فقط لا نمحص ولا ننقد هذه الأساطير المتوارثة ، بل لأن الأساطير نفسها تخلق كتلبية لاحتياجاتنا النفسية ، فمن طبيعة الإنسان واستعداده الفطري الميل إلى تلقف المعلومة أيا كانت والأخبار والتفاعل معها ، ويتأكد ذلك عندما تحمل هذه الأخبار والقصص الغرابة والأعاجيب الخيالية لأنها تحمل إلى جانب المعلومة أو الخبر عنصر التشويق والإثارة ، ويأنس بها الناس وخاصة في المسامرات ، فحب الإنسان لكل ما هو غريب وعجيب نلحظه عند وصول القادم من سفر بعيد ، حيث يكون محط التفاف الناس حوله ، لتلقف الأعاجيب والغرائب التي صدفته في طريقه ، فالإنسان بطبعه ميال إلى كل ما هو غريب وعجيب وبطولي لملآ فراغه الروحي ، فالأسطورة تعمل على تغييب الواقع الأليم ، وتسد شغف الإنسان وتستدر شجونه ولواعجه المتعلقة بالعاطفة ! والقصاصين الذين أخذوا على عاتقهم في الزمن الماضي ، كانت براعتهم تكمن في قدرتهم على تطوير هذه الأقصوصات والإضافة إليها باستمرار لإتقان دورها الوظيفي وليس من أجل تدعيمها كحقيقة وإيراد الأثباتات والأدلة على صحتها .. ولذلك فليس الكذب والافتراء والزيادة والمبالغات يعد نقصا في رواياتهم ..وأعجبني تشبيه أحد المعبرين كيف أن الإنسان يستعذب استجرار العاطفة لسد فراغه الروحي بقوله : ( الذكرى تشبه الجرح ، الذي نستلذ أن نهرشه وننبشه بخفة ، فإذا ما نكأناه تألمنا ) .. هكذا نحن عند هجوعنا للنوم ، نحوم حول ذكرياتنا ، نستغرق فيها ونتلذذ بها ، بينما تسقط عبراتنا ونحن نتذكر تلك الأيام الخوالي ولحظات فقد قريب أو صديق أو الابتهاج بتحقق نصر ما ، ومع أن ذلك يورث لنا الألم أحيانا أو يشعرنا بالنشوة تارة أخرى ، لكنه الألم الشجي الذي نمتح منه الإحساس بوجودنا … الإنسان أحيانا يحتاج إلى الألم كاحتياجه إلى الفرح والسرور والفخر، ليس من أجل الألم نفسه ولا الفرح نفسه ، ولكن من أجل أن هذا الألم والسعادة ، يعكس كل منهما صورة الآخر ، ويكونان معبرا للإحساس بالحياة والنعيم المفقود !
وخير حالات الفكر المنهجي الصادق والعلمي ، هي التعقل الذي يحيد العاطفة ، بينما يتقهقر هذا الفكر ويفقد سيطرته واتجاهه الصحيح حين يكون مشوبا بالعاطفة ، أو حين يسلم مقوده بيد العاطفة التي تسيره حيث تشاء ، فالعاطفة حين لا تستنير بضوء العقل ولا تتبع لمنهجه ولا تتقيد بقيوده ، تصنع هالة زائفة من التضخيم والقداسة نحو من تحب أو تعتقد أو تأمل وهالة زائفة أيضا حول من تكره ، وربما لا يكون الشيء يستحق كل هذا التقدير، لكن العاطفة تعمي وتصم حتى أن الإنسان ليظن بأنه موضوعي في تقييمه للأشياء وربما كان أبعد ما يكون عن الموضوعية ، ومن أجل ذلك يرى العقلاء والمفكرون أن الإنسان يجب أن يعمل بمنهجية معينة للوصول إلى الحقيقة يبتعد بهذه المنهجية عن التقديرات والتقييمات الذاتية … وهنا يحضرني موقف لأحد أولئك الذين يحملون تعصبا انتمائيا ينأى به لا شعوريا عن التقييم الموضوعي ، فهو يقول : قد تذوقت الثمار كلها فلم أجد أفضل من مذاق ثمار بلدي ، وخبرت الرجولة كلها فلم أجد أفضل ولا أعظم ولا أشجع مما يحمله أبناء وطني ، وهكذا نجد أن العاطفة تحاول أن تتدخل في تقييمنا للأشياء ، بل قد يجنح التعصب لمحاولة تأويل أشياء لصالح الانتماء مع أن هذه الأشياء قد لا يكون لها علاقة البتة بتدعيم وجهة نظره ، لكنه يصر على تأويلها من أجل أنه موجه عاطفيا مع أو ضد ما أو من يحب أو يكره … فأحد التلاميذ في محاضرة من المحاضرات استبد به الغضب وقد ذكر له المعلم أن في بلد أخرى جبال أعلى من جبال بلده !
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات فكـــــــــــــــــــــــرية | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























