زيغ القلوب أم العقول !
كتبهارياض أبو خندج ، في 1 نوفمبر 2009 الساعة: 19:34 م
انطلق من هذا السؤال : هل من في قلبه زيغ ، يشعر بهذا الزيغ ؟!
وأعتقد أن الإجابة : لا ، والأمر كذلك ، لأن المجنون أيضا لا يشعر بجنونه ، .. فالإنسان ينطلق من تقييمه للأشياء ، وفق إضاءة عقله التي تشع من داخله ، فالزيغ والانحراف الفكري نتيجة اختمار أو محصلة أفكارسابقة ، وبالتالي فأي إنسان منسجم مع ما يظن بأنه حقيقة مما يصل إليها تفكيره ، فهو لا يشعر بالتناقض الذي يقض هذا الانسجام ، وإلا لما دافع عنه .. ومعلوم أن معرفة وتحديد وتقييم أي أمر لا تتم إلا بمقارنته بالأخر المضاد .. بمعنى أننا لا نعرف الخير حتى نعرف الشر ،ولا نعرف قدراتنا حتى نقارنها بقدرات الآخرين .. ولا نقدر الصحة و القوة التي نتمتع بها حتى نقف على الضعف والوهن والمرض .. ولا القواعد السليمة حتى تتميز لدينا عن القواعد المخلخلة والخاطئة ، ولا القناعات الراسخة المتينة حتى تتميز عن القناعات الواهية الضعيفة ، والتمييز لا يتم إلا بالمقابلة بين أمرين متضادين ، وهذه هي مبادئ العقل التي يعملها لفهمه في الأشياء عن طريق الاستقراء والتحليل والاستنتاج والتنبوء وغيره … ، وهذا يعني أن علوم ومعارف وخبرات وتجارب الإنسان هي مجموع المكون مما نسميه ( عقل ) .. مما يعني أن أحكام العقل نسبية إلى الكم والكيف الذي يغذيه ، ويعني أيضا تفاضل العقول ، ويعني في النهاية أن أحكام العقل نواتج استقراءات قد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة ، أي ليست معصومة من الزلل والخطأ والانحراف ، فالأحكام العقلية معرضة للخطأ كأي ملكة في الإنسان ، غاية ما هنالك أن الإنسان يقول هذا هو نظري أو حكمي أو رأيي في هذا الشيء ، آخذا في الاعتبار أن أي اجتهاد أو رأي عقلي تتحكم فيه مجموعة من العوامل من الشهوات والشبهات والرغبات والأهواء والميول والعصبيات والمحبوبات والمكروهات مما قد يتضح أو يتخفى وغير ذلك ….. فإذا كنا نرى الأمر على هذا النحو ، فلا بد أن توصلنا هذه الحقيقة إلى الإرهاف من حدة الخطاب واحتكار الرأي ، واستنطاق وجهة النظر الأخرى لاستكمال النظر ، وحتى الوصول إلى نقاط اتفاق أو نقاط وسط أو نقاط خلاف لا تفسد للود قضية !
وبعملية تفكيك لقوله تعالى ( وأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه …..الآية ) .. قد فرغت من تحليل ذلك إلى أن من في قلبه زيغ في الغالب الأعم لا يشعر بهذا الزيغ ، إلا بعملية مقابلته بالمحكممن الآيات… فالمتشابه هو الذي يقابل المحكم وأحسن ما قيل فيه ما نص عليه : ( محمد بن إسحق بن يسار رحمه الله حيث قال "منه آيات محكمات" فهن حجةالرب وعصمة العباد ودفع الخصوم الباطل ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه( .
ثم قال: ( والمتشابهات ابتلى الله فيهن العباد كماابتلاهم في الحلال والحرام ألا يصرفن إلى الباطل ويحرفن عن الحق.)
ولهذا قال اللهتعالى "فأما الذين في قلوبهم زيغ" أي ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل "فيتبعون ماتشابه منه" أي إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهمالفاسدة وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنهدافع لهم وحجة عليهم ولهذا قال الله تعالى "ابتغاء الفتنة" أي الإضلال لأتباعهمإيهاما لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن وهو حجة عليهم …
ومثاله : احتجاج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منهوتركوا الاحتجاج بقوله "إن هو إلا عبد أنعمنا عليه" وبقوله "إن مثل عيسى عند اللهكمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون" وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحةبأنه خلق من مخلوقات الله وعبد ورسول من رسل الله.
وأما في قوله تعالى "وابتغاء تأويله" أيتحريفه على ما يريدون … والكلام هنا لي : ( أنه المتلقي للمتشابه قد تكون نيته سليمة في أنه لا يريد تأويله على هواه ومشتهاه ، ولكن ذلك الهوى والمشتهى يكون من الخفاء في نفسه بحيث لا يفطن إليه )
وقد قال الإمام : ( أحمد حدثنا إسماعيل حدثنا يعقوب عن عبداللهبن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها قالت:قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم "هوالذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات" إلى قوله "أولوا الألباب" فقال "إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم")
ومعنى هذا أيضا : أن العقل لكل إنسان ليس معيارا للحق .. بل هو ملكة اجتهاد في وجود النص ، فنظرتنا وحكمنا على النص من معيار العقل فقط هو تحكيم مبتور … فالطريقة الصحيحة في رأيي هي استحضار النص لتدعيم الحكم العقلي وليس العكس ، … ما دفعني لهذا المقال هو قول أحد المتحاورين لخصومة دينية : يا أخي حكم عقلك فإن في قلبك زيغ ، فقلت في نفسي هذه طريقة عقيمة لشيئين :
الأول : قوله للمتحاور حكم عقلك ، فالمتحاور بالطبع يحكم عقله ، وما يدور في النقاش هو بالطبع نتيجة استقراء عقلي يتم عند كل طرف بنفس الطريقة ..
الثاني : قولك له ، في قلبك زيغ ، هو تحصيل حاصل لأن من في قلبه زيغ لا يشعر بهذا الزيغ …بل يمكن أن يقذف المحاور الآخر بنفس التهمة …
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات فكـــــــــــــــــــــــرية | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























